التفاعلات الجارية داخل إسرائيل منذ جلاء غبار معركة لبنان، تذكرنا بالتفاعلات ذاتها التي وقعت أثناء وبعد اجتياح العام 1982، فقد نزل في حينها أعضاء حركات «السلام الإسرائيلية» وأمهات القتلى والجرحى الى الشارع، والى ميدان ملوك إسرائيل في تل أبيب، وبالقرب من مبنى الكنيست في القدس الغربية، مطالبين بالوقف الفوري للحرب والانسحاب من لبنان. والتاريخ يعيد نفسه الآن بصورة تراجيدية بعد أن سبق وفشلت إسرائيل في إخضاع لبنان واللبنانيين لمنطقها ومشيئتها الخاصة، فسقط اتفاق مايو، ولم يتمكن أحد من تمرير اتفاقات ظالمة على الشعب اللبناني.
ان التفاعلات الحالية داخل قمة الهرم السياسي وفي الشارع الإسرائيلي، قبل وبعد إعلان تقرير فينوغراد المتعلق بالتحقيق بشأن «التقصير» من جانب حكومة ايهود اولمرت في الحرب الأخيرة التي شنت على لبنان، خصوصاً بين كتلتي كاديما بزعامة ايهود أولمرت، والعمل بزعامة عمير بيريتس من جانب، وكتلة الليكود بزعامة بنيامين نتانياهو، وأحزاب اليمين التوراتي من جانب آخر، تؤشر على مدى الإرباك السياسي الإسرائيلي بعد جولة خاسرة لم تكن لتعطي نتائجها كما أرادت إسرائيل، كما أن المراهنات على إعادة خلط الأوراق وتخريب الأوضاع الداخلية داخل لبنان فشلت تماماً، بالرغم من الدمار الهائل الذي لحق بالبنية التحتية للبنان، والمنهج التعويضي الذي تلجأ اليه قوات الاحتلال في القصف الجوي للمواقع المدنية وللقرى الآمنة.
ان كلا من اليهودي الإشكنازي الأميركي الأصل ايهود أولمرت، واليهودي السفارديمي المغربي الأصل عمير بيريتس، القادمين الى موقع القرار الإسرائيلي من خارج مؤسسة الجيش، أراد أن يثبت أن السياسيين من خارج مؤسسة الجيش لا يقل الواحد منهم في تطرفه، وفي رؤيته عن ما يحمله السياسيون القادمون الى مواقع القيادة من داخل المؤسسة العسكرية. وعليه فإن وزير الحرب الإسرائيلي عمير بيريتس عمل على إظهار نفسه تحت لبوس «السياسي المثقف، والمحكوم لمنطق القتال عند الحاجة»، كما كان حال شمعون بيريز زعيم «اليسار الصهيوني» الذي ارتكبت في عهده في رئاسة الوزارة، مجزرة قانا الأولى أثناء عدوان «عناقيد الغضب» عام 1996.
لقد تعرض رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود أولمرت ووزير دفاعه عمير بيريتس الى صفعة قاسية مع إعلان ونشر تقرير لجنة فينوغراد، حيث شنت المعارضة اليمينية ومعها أوساط من «اليسار» الصهيوني وحتى من داخل حزب كاديما الذي ينتمي اليه أولمرت عبر موقف وزيرة الخارجية تسيبي ليفني، هجوماً على رئيس الحكومة ووزير حربه ورئيس الأركان المستقيل دان حلوتس، والطاقم الأمني والوزاري المصغر، وحملته مسؤولية النكسات العسكرية والدبلوماسية للحملة. وبهذا فقد رسم مستقبله السياسي بعد تداعيات الحرب الفاشلة على لبنان.
رئيس اللجنة، القاضي الياهو فينوغراد أجمل الإخفاقات التي وقع فيها أولمرت ووزير حربه من خلال المبادرة الى الحرب دون «خطة مفصلة دقيقة للطبيعة المعقدة للساحة اللبنانية»، كما لم تدرس كل جملة الاحتمالات الكاملة، فقد بلور أولمرت موقفه دون أن تعرض عليه خطة عسكرية مفصلة ودون أن يطالب بها، ودون إيلاء اهتمام كافٍ للظروف المعقدة للساحة اللبنانية والبدائل العسكرية والسياسية التي توفرت لإسرائيل.
وقد عمل ذلك دون مشاورات مرتبة، رغم انعدام تجربته في الشؤون الأمنية والسياسية، ودون فحص الشكوك السياسية والمهنية. وقبل كل ذلك فإن لجنة فينوغراد أدانت أولمرت في التفافه على الحكومة وكسبه تأييدها للحرب بعد اندلاعها مباشرة مع عرض غامض للأهداف وسبل العمل «ما أتاح للوزراء الذين كانوا ذوي مناهج مختلفة أو متعارضة تأييد الخطوة».
ان السؤال الملح في الشارع الإسرائيلي ومن قبل المراقبين السياسيين ومن قبل المحللين يتمحور حول إمكانية رحيل ايهود أولمرت ومعه عمير بيريتس عن المشهد السياسي الإسرائيلي، خصوصاً مع نشر تقرير فينوغراد الكامل في يوليو المقبل. فالمعارضة المناوئة لإيهود اولمرت توجد اليوم في كل مكان داخل الدولة العبرية: في حزبه، وفي حزب العمل، في الحكومة، في الائتلاف وفي المعارضة، في الشارع. والمعارضة ليست فقط بنيامين نتنياهو وما يمثله من حزب الليكود. وعليه فالصراع الجاري والمتوقع استمراره في إسرائيل هو بين التنحية والانتخابات. فإما أن يبقى أولمرت، ويتمكن من النجاة من الأزمة وهو احتمال متوسط كما تؤكد العديد من المصادر الإسرائيلية، وإما أن ينحّى وهو احتمال متوسط أيضاً، وإما أن يستقيل وهو احتمال قائم أيضاً بدرجة ما، أو السير نحو انتخابات مبكرة وحل الكنيست، وهو احتمال منخفض.
وبالنتيجة، فإن المستقبل الشخصي السياسي لكل من ايهود أولمرت، وعمير بيريتس على كف عفريت، فكما زرع أولمرت وطاقمه الأمني والوزاري المصغر، يحصد الآن خيبات فشل الحرب على لبنان وانتصار المقاومة، بالرغم من الدمار الهائل الذي لحق بلبنان وشعبه.
كاتب فلسطيني ـ دمشق