لسنا من دعاة التشاؤم في النظر إلى واقع الأمة العربية أو ما تبقى منه على أقل تقدير ولكن مع شديد الأسف يقودنا الواقع اليومي والأحداث الفظة التي تعصف بأمتنا إلى تلك العتامة والسوداوية التي قد تجعلنا ميالين إلى التشاؤم .ولكن كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس دولة الإمارات، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي في افتتاح أعمال مؤتمر (استعادة الوعي العربي) وضحت في ثناياها ذلك الخط الفاصل بين التشاؤم والواقعية وبين التفاؤل والموضوعية وهذا بالتحديد ما تضمنته مقولته)...
إن اختياركم لموضوع المؤتمر وبحوثه يأتي في زمانه الصحيح ..وفي مكانه الملائم فحال الأمة الراهن لا يسر بأي شكل من الأشكال ويدعونا جميعا مسؤولين ومواطنين لاستدراك المخاطر .. واستعادة الوعي القومي المفقود ووقف هذا الهدر غير المسبوق في الإمكانات والدماء والعنف الأعمى والانقسام.
ودعا سموه إلى التفكر في الآليات الصحيحة والمناسبة للخروج من هذه الحالة المأزومة وان لا ييأسوا ولا يحزنوا.. وان يشمروا عن سواعد فكرهم وعطائهم العلمي .. فمشروع هذه الأمة الحضاري والإنساني يستحق كل الجهد وكل البذل والعطاء والصبر حيث إن سموه لم يتخل عن حقيقة وجود خلل في الوعي العربي فلولا وجود ذلك القصور لاستطاعت الأمة المرور بنجاح فوق العديد من التحديات وفي مقدمتها تحدي الحداثة والدين والتبعية والاستقلال الفكري والمذهب والقومية والفرد..الخ، تلك التحديات التي لم يتصد لها الفكر العربي بجدية وتجرد وريادة وشجاعة سواء في طرح القضايا أو في إيجاد الحلول .
ولكن ترى ما هي تلك الأسباب التي تجعل الفكر العربي يمر في حالة الأزمة المظلمة وهو ما حق عليه وصف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد حال الأمة الراهن لا يسر في أي حال من الأحوال.
مثلث الحركة الفكرية العربية
يمكن القول إن حركة الفكر العربي لطالما كانت محكومة بثالوث أضلاعه الدين وتطور الإنسان والقيادة سواء القيادات الدينية أو السياسية بجميع المعايير حيث شكّلت الإصلاحية الإسلامية ثورة فكرية في المعرفة العربية والإسلامية، إلا أن مشروعها أجهض قبل أن يُكمل قرناً على انطلاقته، فقد حصل الانتقال الفكري سريعاً من إشكالية النهضة إلى إشكالية الهوية.
وكذلك قدمت العقلانية الليبرالية التي جاءت كنتيجة لتطور الإنسان العربي وتعرفه على الحضارة الأوروبية ـ قدمت تنازلات فكرية كبيرة تحت ضغط التيار الديني بعد إسهامها في إطلاق حركة إبداع واسعة النطاق في مجال الفكر والفلسفة والعلوم الإنسانية.
ثم سرعان ما جاء عصر الزعامات الكارزمية السياسية والدينية ليقود حركة الفكر العربي التي طالما كانت تنادي بزعامات عربية تحل محل تلك العثمانية أو الأجنبية تحرر الإنسان العربي من الاستعمار إلا أن الذي حصل هو أن تلك الزعامات في الواقع كبلت الفكر العربي بمفاهيمها السلطوية وأشهرت أسلحة الحكم والحاكم مما أدى إلى دخول الفكر العربي في متاهة الهروب من الحكم والحاكم أو الهروب إلى الحكم والحاكم وكلتا المتاهتين لم تقدما أي تطور في الفكر العربي بل وسرعان ما شاهدنا الفكر العربي يتهاوى كما تهاوت التجارب التنموية العربية والحركات السياسية العربية والدليل على ذلك أننا عندما نتحدث عن تطور حركة الفكر العربي فإننا نتكلم عن الكواكبي ومحمد عبده وطه حسين وكل هؤلاء العمالقة ونتوقف من نهاية السبعينات وحتى اليوم والساعة ولا نذكر سوى أسماء معدودة قد نتفق عليها وفي الأغلب نختلف .
وعليه ننتهي إلى أن حال الأمة أضحى لا يسر فعلا عندما حدث ذلك الانفصام بين الأضلاع المشكلة للفكر العربي. هذه الأضلاع هي التي تخلق المفكر الذي يصنع فكرا بناء يقلب الواقع دون أن يشذ عليه ويجدد من قلب الأصالة العربية المستنيرة وليس من ظلمة الاختلاف والتناقض الدخيل . تفكك أضلاع مثلث الفكر العربي أدى إلى نتيجة أقسى ألا وهو عصر انصهار الهوية والذات العربية في ثقافات دخيلة غربية أو شرقية إسلامية متطرفة بل وشديدة التطرف أو علمانية مادية شديدة التناقض وخطيرة على الإنسان العربي الذي ضاع غالبيته بين تلك الثقافات ويتحمل أقليته اليوم وزر ذلك الصراع بين المنطق والعقل الجامد وبين أخطاء السياسيين وأخطار الطامعين.
النموذج العربي
لو عدنا إلى كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد الملهمة وسلطنا الضوء على مطلع كلمته التي قال فيها(...إن اختياركم لموضوع المؤتمر وبحوثه يأتي في زمانه الصحيح ..وفي مكانه الملائم ).تلك الكلمات تعني أنه لا يمكن أن يكون هناك وقت يمكن أن تحتاج فيه الأمة إلى مفكريها لينهضوا في فكرها كهذا الزمان الذي تمر فيه الأمة العربية بتحديات حاسمة تحدد وجود الأمة وكيانها وبقاءها أو تداعيها وانهيارها وعندما تتداعى الأمم يتداعى مفكروها وفكرها.
نعم ربما عندما ننظر في الصورة العامة لحال الأمة نجد أن لا مناص من الخراب الذي يأكل الأخضر واليابس في عقلنا العربي وفي مجتمعنا العربي وفي بنائنا الاجتماعي والاقتصادي والسياسي ولكن عندما نعود لنقرب الصورة من عقولنا وننظر بتمعن إلى تلك التجارب العربية التي بدأ بناؤها يتعالى على أسس صحيحة وسليمة عند ذاك نقف طويلا ونعيد حساباتنا .
إن وجود تجارب ونماذج عربية ناجحة لابد أن يعني أن في الجسد السقيم بارقة أمل وأن النخر والسوس لم يصل بعد إلى الجوهر السليم . تجربة التنمية في دولة الإمارات العربية ونهضتها العمرانية نموذج عربي يدعو فعلا إلى أن هناك فعليا إمكانية لاستعادة الوعي العربي، وأن تلك ليست أمنيات، بل هي حقائق أن هناك في الأمة مصلحين استشفوا الحلول وانتهزوا الفرص الضائعة ليحققوا انتصارا يضيء نفقا طال ظلامه.وهناك تجارب عربية قممها نامية في الأفق يمكن النظر إليها والتعرف إلى الأفضل الكامن في الذات العربية وإصلاح الأسوأ.
إذن فاستعادة الوعي العربي ليس أمرا مستحيلا ولكنه أيضا ليس كلاما على ورق تذروه الرياح العاصفة وما أكثرها وما أعصفها في أمتنا ، في الواقع إنه جهد وعمل متواصل وتحدٍ يجب أن يخوضه المفكرون وقادة الفكر والرأي .
كاتبة عراقية