يوم الأحد 6 مايو 2007 انتخبت فرنسا رئيسا جديدا هو نيكولا ساركوزي، الرئيس السادس للجمهورية الفرنسية الخامسة التي أسسها الجنرال شارل ديغول عام 1958. أعطى الفرنسيون إذن ثقتهم لنيكولا ساركوزي مرشح اليمين الجمهوري وحجبوها عن سيغولين روايال، مرشحة اليسار. السنوات الخمس القادمة ستُبدي إذا كانوا قد أحسنوا، أو أساؤوا، الاختيار. ذلك أن قيادة البلدان يتم الحكم عليها بالوقائع والأرقام والنتائج المحققة وليس بالخطب والنوايا والبرامج الانتخابية. ثم إن دروس الماضي قد أظهرت مدى الهوة الكبيرة بين البرامج المعلنة وبين حقيقة ترجمتها على أرض الواقع. فإلى أين سيقود نيكولا ساركوزي «سفينة» فرنسا؟
الحكم على مدى النجاح عند نقطة الوصول بتطلب بالضرورة، توصيف الوضع عند نقطة الانطلاق. اللوحة العيانية لواقع فرنسا اليوم تقول إنها ليست بـ «صحة جيدة». إنها تعاني من معدّل بطالة يقارب 10 بالمائة من القادرين على العمل، وهذه إحدى أعلى نسب البطالة في أوروبا. وهناك أعداد كبيرة من العاملين الذين يعانون من الهشاشة ومن شبح فقدان فرصة عملهم مع ما يترتب على هذا من الخوف حيال المستقبل «غير الواضح». بل وتدلّ دراسات جديّة على أن ربع الفرنسيين تقريبا. يعانون اليوم، من درجة ما، من الفقر. وتعاني فرنسا أيضا من أشكال عجز ميزانيتها ومن خلل هائل في ميزان مدفوعاتها مما يهدد بحالة شلل قد تدوم طويلا.
وكان الرئيس الجديد، وكذلك منافسته في الدورة الانتخابية الثانية، قد اتفقا على أن إحدى أولويات فرنسا تتمثل في إيجاد حل لمشكلة الديون الخارجية الهائلة، ولكن كيف؟ تعاني فرنسا أيضا من بعض التشنجات في نسيجها الاجتماعي. بالتأكيد ليس هناك شبح حرب أهلية، ولكن مجرد إلقاء نظرة سريعة على نتائج انتخابات يوم الأحد الماضي 6 مايو تكفي لملاحظة أن شريحة الشباب، وخاصة في المناطق التي تتواجد فيها أغلبية ذات أصول مهاجرة، لم تقترع كثيرا للرئيس الجديد نيكولا ساركوزي. ذلك أنه كان وزير الداخلية أثناء أحداث العنف الشهيرة التي انفجرت في فرنسا خلال شهر نوفمبر من عام 2005، ووصلت حدّتها إلى درجة أن وسائل الإعلام الخارجية، وفي مقدمتها الأميركية منها، وصفتها بالقول إن «فرنسا تحترق».
لقد جرى في الواقع حرق ما يزيد على عشرة آلاف سيارة وعدد هام من المؤسسات العامة. قضية الشباب الذين يعانون من البطالة والتهميش وغياب الأفق تحمل بداخلها «بذور» التفجر. ولا شك أنها إحدى التحديات التي ينبغي على العهد الجديد مواجهتها. وما أكّده الرئيس المنتخب هو أنه سيكرس لها الكثير من الجهد والمال، والمطلوب هو الفعل وبسرعة. ذلك أن هناك حالة من «الجفاء» لدى الشباب في الضواحي وأحياء تجمع المهاجرين حيال وزير الداخلية السابق - الرئيس المنتخب - الذي استخدم حيال بعضهم صفة «الرعاع» وهدد بـ «تكنيسهم» مثل المهملات وأوراق الأشجار المتساقطة. وواجه بعضهم انتخابه بإثارة صدامات مع رجال الشرطة وحرقوا أكثر من ثلاثمائة سيارة ليلة الأحد، بعد إعلان النتيجة.
وإذا كان الرئيس الجديد يواجه وضعا داخليا فيه العديد من الأعراض «المنذرة»، فإن مسألة مكانة فرنسا في العالم مطروحة على الصعيد الخارجي. الجميع يتفقون على القول إن فرنسا تمثل اليوم «قوة متوسطة» بالقياس إلى القوى الكبرى، وليس الولايات المتحدة فقط، وإنما أيضا قوى صاعدة مثل الصين والهند وروسيا وحتى البرازيل.
لا شك أن مكانة فرنسا في العالم ستكون في مقدمة اهتمامات الرئيس الفرنسي الجديد. ولن تكون مهمة سهلة ذلك أن دور فرنسا على المسرح الدولي يتأتّى تاريخيا إلى حد كبير من وزنها المتميز وعلاقات الثقة التي استطاعت نسجها مع العالم العربي وإفريقيا السوداء. هذا ما يدركه الرئيس المنتخب جيدا إذ شدد ومنذ كلماته الأولى بعد فوزه في الانتخابات الرئاسية على ضرورة تعزيز الروابط عبر المتوسط وأطلق نداءً «أخويا» لجميع الأفارقة من أجل العمل على صياغة سياسة هجرة «بالتشاور» وتدعيم المساهمة في خطط التنمية الإفريقية. بل وأكد على إرادته «إقامة اتحاد متوسطي بحيث يكون صلة وصل بين أوروبا وإفريقيا».
كان لفرنسا دائما، كما هو معروف، دور «خاص» حيال قضايا الشرق الأوسط. وسيذكر العالم طويلا للرئيس شيراك موقفه حيال الحرب الأميركية- الانجليزية الأخيرة ضد العراق. هنا لا بد من وقفة والتذكير أن الرئيس الفرنسي المنتخب كان واضحا وصريحا في تفضيله لأميركا بوش على فرنسا شيراك فيما يخص الموقف من الحرب على العراق بل وصف موقف بلاده آنذاك بـ «المتغطرس»، ثم حاول أن يصحح موقفه مؤخرا ليصف تلك الحرب أنها كانت «خطأ» كبيرا في الحسابات الأميركية. لكن لم ينس الرئيس المنتخب أن يطمئن في كلماته الأولى كرئيس «الأصدقاء الأميركيين» وأنه بإمكانهم الاعتماد على فرنسا التي «ستكون دائما إلى جانبهم إذا احتاجوا لذلك».
ومن المعروف عن الرئيس الفرنسي الجديد أيضا تأييده القوي لإسرائيل أثناء حملته الانتخابية الرئاسية، وتأكيده أن «أمن إسرائيل» يشكل، أولا وأساسا، مركز اهتمامه فيما يخص قضية الشرق الأوسط. لم يكن موقفه هذا بعيدا عن واقع اقتراع أغلبية اليهود الفرنسيين لصالحه. لكن هنا لا بد من تدقيق القول أن واجبات الرئيس ومصلحة فرنسا شيء آخر غير تصريحات المرشح ووعوده الانتخابية.
«الهوى» الأطلسي لساركوزي معلن إلى درجة أن بيير ميسمير، وهو رئيس وزراء فرنسي سابق، وديغولي «مصفّى»، ووزير دفاع سابق لدى الجنرال ديغول، قد وصفه بالقول أنه «مرشح الولايات المتحدة». وكان نيكولا ساركوزي المرشح قد أطلق عند زيارته لواشنطن قبل أشهر تصريحات يمكنها أن «تعيق» عمله الدبلوماسي كرئيس. إذ كيف سيتعامل مثلا مع رئيس بلد كبير مثل روسيا قال عنه، في معرض المقارنة بينه وبين بوش، بالحرف: «أفضل أن أشدّ على يد رئيس الولايات المتحدة وليس على يد بوتين، الملطخة بالدماء». لا شك سيكون عليه ذات يوم، قريب أو بعيد، أن يصافح «الأيدي الملطخة بالدماء». ولن يستطيع رئيس فرنسا أن يتجنب ذلك.
ما هو شبه أكيد هو أن توجه نيكولا ساركوزي يشكل، رغم التصريحات المنافية لذلك أحيانا، قطيعة مع الإرث الديغولي على صعيد السياسة الخارجية التي خطّ الجنرال «علاماتها الفارقة» وتابع نهجها بعده رؤساء فرنسا بومبيدو وديستان وميتران وشيراك. وكانت ورقة أوروبا هي إحدى الأوراق التي قد يمكن لفرنسا أن تلعبها لتعزيز مكانتها في العالم. لكن الفرنسيين هم الذين كانوا السبب الجوهري لـ «تضعضع» الكيان السياسي الأوروبي عندما قالوا «لا» في استفتاء 29 مايو 2005 للدستور الأوروبي.
الرئيس الفرنسي المنتخب يريد أن يصحح «المسار». وقد شدد في خطاب ما بعد الفوز قوله: «هذا المساء تعود فرنسا إلى أوروبا». المطلوب أن تستعيد أوروبا صوتها السياسي الموحّد وبعدها الاجتماعي ذي النزعة الإنسانية، وهذا ما فشل به الأوروبيون حتى الآن، فهل يستطيع الرئيس الفرنسي الجديد أن ينجح حيث فشل الآخرون؟!
بكل الأحوال ما أكّده المرشح نيكولا ساركوزي في برنامجه الانتخابي هو أنه يريد تحديث فرنسا. وها هو الآن يملك دفة القيادة. ومن المنطقي والمتوقع أن يمنحه الفرنسيون، الذين أولوه ثقتهم كرئيس، أغلبية نيابية في الانتخابات التشريعية التي ستجري خلال شهر يونيو المقبل. عندها سيكون طليق اليدين كي يجري ما يريد من تغييرات.
لا أحد يشكك بإرادته، ولا بشرعيته، وهو المرشح الأول بعد فاليري جيسكار ديستان عام 1974 الذي يفوز بالرئاسة منذ الإعادة الأولى. إنها مرحلة جديدة وجيل جديد ورئيس جديد. الفرنسيون يودعون «قديمهم» وينتظرون ما سيفعله «جديدهم». والآخرون، ونحن العرب بين هؤلاء الآخرين، ننتظر أيضا، ونأمل أن تكون فرنسا، من موقعها التاريخي، صوتا يخدم قضايا العدل والسلام في العالم وفي منطقتنا كجزء هام لها من هذا العالم.
كاتب سوري ـ باريس