لا توجد قوة في الولايات المتحدة الأميركية أضخم وأعتى من تلك التي يتمتع بها المتحكمون بالرأي العام الأميركي، سواء كان المرئي، أو المسموع. لم يكن للقياصرة، أو الباباوات، ولا لأعظم الفاتحين قوة، كتلك القوة التي تمتلكها مجموعة من البشر تسيطر على وسائل الإعلام بمصادرها المختلفة. قوة مباشرة ومحسوسة، فهي تصل إلى كل منزل أميركي، تملي إرادتها معظم أوقات يقظته، وتبرمج حياته ودماغه كما تريد، تضيف قوالب جاهزة، وتصورات مبرمجة. تقول لهم كيف يفكرون بما قدم لهم. لو كانت هذه البرمجة وهذه التصورات موضوعية، لكانت جميع الأمور بخير. لكن أسياد الإعلام يقزمون ويشوهون، حتى أنهم يخفون حقائق كثيرة. يقدمون للمستمع ما يريدون، كما يريدون هم. لا كما هو واقع الحقيقة.
من يحكم الولايات المتحدة الأميركية! سؤال يبدو ساذجا ومهما في نفس الوقت، لكنه يتسم بخطورة كامنة فيه. هل يعني أن الذي يحكم أميركا هو شيء آخر، غير الرئيس والمؤسسات؟ القضية بالغة الخطورة بالنسبة للشعب الأميركي الذي مازال الأغلب منه يعتقد أن الراحل ياسر عرفات هو الرئيس الفعلي لدولة الكيان الإسرائيلي. وأن جمهورية الشيشان موجودة في الوطن العربي. وبالغة الأهمية بالنسبة للعرب.
يتصور الأميركيون دولتهم في هذا المرحلة، التي غاب عنها التوازن الدولي مع انتهاء الحرب الباردة، وكأنها الإمبراطورية الجديدة التي يجب أن تحكم العالم. بل وكأن حضارتهم هي الحضارة التي يتجه إليها السياق التاريخي في مجمل التحولات. والواقع أن كل هذا يبدو وهما، إذا ما عرف الأميركيون من الذي يحكمهم بالفعل، ولمن تؤول هذه الحضارة، أما بالنسبة للعرب فالموضوع يأخذ بعدا آخر يتعلق بتحالفاتهم وبمصير قضاياهم التي لم تحسم بعد، والتي يبدو فيها دور المحافظين الجدد واضحا في حلها، أو تعقيدها أو حتى في رسم مصيرها في هذا العالم.
قامت إسرائيل، ككيان عدواني مصطنع على الأرض الفلسطينية في عام 1947، ولم يكن ذلك التاريخ سوى محطة في الصراع العربي الصهيوني، سبقتها محطات كثيرة، وتبعتها محطات أكثر، أثَرت في التاريخ العربي، وتاريخ المنطقة. يكتشف العالم على عتبة الألفية الثالثة، وبعد أكثر 58 عاماً من الصراع مع الكيان الصهيوني، أن الذي يحكم الولايات المتحدة الأميركية هو نفسه الذي يقارعونه كل يوم بصدورهم وأيديهم وحجارة أطفالهم، عندما يكتشف ذلك، يعرف أهمية السؤال، وأهمية الإجابة عنه. والمعنى الكامن وراء طرحه.
ففي محطة من المحطات التي يتداخل الحديث عنها، مع موضوع من يحكم من، وقع أحد الرؤساء الأميركيين، وهو يُعد لحملته الانتخابية، ليصبح رئيسا لها في أزمة، وبينما هو يكابد لحل هذه الأزمة، جاءه العرابون اليهود ليفتحوا له صدورهم، ويعلنوا له أن بإمكانهم حل جميع الأزمات المالية ببساطة، لكن بشرط أن يرسم اليهود، السياسة الشرق الأوسطية للسنوات المقبلة لفترته الرئاسية. بمعنى آخر بإمكان اليهود حل الأزمات المالية للرئيس، مقابل أن يصبحوا الرئيس الفعلي للبلاد وذلك من وراء الستار. وهذا ما حدث فعليا في عهد بوريس يلتسين، الرئيس الروسي الأسبق عندما وقع في نفس الأزمة، حينها جاءه العراب اليهودي بيريزوفسكي. وفرض الشروط عليه.
القضية لا تتوقف عند هذا الحل، لكن هناك ثمة عمليات مستمرة لغسل دماغ العالم، ثمة عمليات تضليل خطيرة لا تكل ولا تمل للسيطرة على وسائل الإعلام المختلفة، هناك وسائل الإعلام الأميركية... تلك الترسانة الضخمة من الأسلحة القادرة على غسل دماغ العالم، قوة عاتية يمكن لها مد أبعاد السيطرة العسكرية، والنهوض بعملية دعائية غير متناهية في أرجاء العالم، كما حصل عندما عملوا على تفكيك الإتحاد السوفييتي السابق.
الرغبة في الإجابة على السؤال، من الذي يسيطر فعليا على هذه القوة؟ قضايا متشعبة، ومتعددة تفرض نفسها في هذا السياق للتأكيد على أهمية هذا الموضوع في عالم القطب الواحد، وفي مرحلة العولمة، وطبقا لذلك هل يمكن أن يسأل بسذاجة، من الذي يحكم العالم. سؤال كبير، «لان الأميركيين لا يعرفون جيدا مغزى هيمنة اللوبي، هذا ما قاله السناتور الأميركي بول فنيدلي» دفع العرب ثمنا باهظا، عندما قدم بلفور في لحظة ما «وعد»، ولكن لمن قدِم ذلك الوعد المشؤوم، قدِم إلى أولئك الذين يحكمون الولايات المتحدة من وراء الستار، وفي مخططهم أن يحكموا العالم.
من يراقب الإعلام بشكل مستمر يعلم تماماً أن في كل شهر أو أسبوع... يذكِر الشعب المسكين بطريقة مباشرة أو غير مباشرة بما حدث لشعب الله المختار على يد أدولف هتلر... وتمر عقود، ولا يعرف المواطن الأميركي المسكين ما يحدث لشعب الله المختار، على يد المختار في الشرق العربي. سؤال يمس الجوهر، يمس الحقيقة التي يبحث عنها في أرجاء المعمورة، فعندما تسيطر الصهيونية على الإعلام، فإن صورة مشوهة ستعرض على الناس... صورة الباطل وقد ارتدى رداء القديسين.