انتصار نيكولاي ساركوزي في معركة الانتخابات الرئاسية في فرنسا اعتبرته إحدى الصحف الاسرائيلية «ثورة فرنسية» ثانية، مما يطرح تساؤلاً: هل هو يهودي أولاً وفرنسي ثانياً أم العكس؟ في كل الأحوال فإن على العرب أن يتهيأوا لفرنسا جديدة. فور إذاعة النتائج الانتخابية سارع الزعيم الإسرائيلي اليميني بنيامين نتانياهو إلى الإعلان بأن ساركوزي «صديق لإسرائيل» وعلى سبيل الشرح قال نتانياهو إن ساركوزي «يدرك الاحتياجات الأمنية لإسرائيل» وأن انتخابه «خير لإسرائيل وللعلاقات الفرنسية الإسرائيلية».

ولا تفسير لهذا القول سوى أن فرنسا سترتد إلى حقبة عقد الخمسينات من القرن الماضي عندما بلغ تحالفها مع إسرائيل أن الحكومة الفرنسية في ذلك الحين هي التي تولت إنشاء المشروع النووي الإسرائيلي وأن فرنسا هي التي دبرت أمر الاعتداء الثلاثي على مصر الناصرية في عام 1956 بالتواطؤ مع إسرائيل وبريطانيا. ونعلم أنه بعد أن آل أمر الحكم في باريس إلى الديغوليين ابتداء من عام 1958 عندما تولى الجنرال شارل ديغول السلطة أخذت فرنسا تحرص على وجود مسافة سياسية بينها وبين إسرائيل. الآن يبدو أن فرنسا في عهد ساركوزي ترتد إلى الماضي، بما يعني تحيزا كاملا وشاملا مع الدولة اليهودية.

احتفال اليهود بفوز ساركوزي لم يقتصر على إسرائيل، بل شمل أنحاء العالم الغربي، وفي الولايات المتحدة بصورة خاصة لم يستطع قادة «اللجنة اليهودية الأميركية» (أيباك) التكتم عن مشاعرهم، فقد أعرب رئيس اللجنة ديفيد هاريس عن «الإعجاب» بشخص الرئيس الفرنسي المنتخب. وفي السياق كشف هاريسون عن معلومة مفادها أن ساركوزي «نسج علاقة تعاون وروابط مثمرة مع إسرائيل منذ توليه منصب وزير الداخلية في فرنسا عام 2002»، ومن المعلوم أنه في ذلك العام شعر يهود فرنسا بأنهم مهددون بسبب تصاعد معاداة السامية حينئذ.

ومن الحقائق ذات الدلالة في هذا الصدد أيضاً أن أيباك منحت ساركوزي في عام 2003 «جائزة سيمون ويزنتال» لتحركه في وجه موجة معاداة السامية في فرنسا. وثمة معلومة أخرى أوردتها الصحافة الإسرائيلية وهي أن ساركوزي دشن حملته الانتخابية بزيارة خاصة إلى إسرائيل للمثول والصلاة أمام النصب التذكاري للمحرقة اليهودية في القدس. هذا الترحيب اليهودي العالمي بانتصار ساركوزي ينبغي أن يكون نذير شر للقضية الفلسطينية، فالترحيب سيعقبه دون شك تحرك عملي لعلاقة تعاونية جديدة بين فرنسا وإسرائيل، ستنعكس بطبيعة الحال على العالمين العربي والإسلامي بمعنى أن ثمة تغييرا سيطرأ على أولويات فرنسا الساركوزية تجاه العرب والمسلمين.

على رأس الأولويات الفرنسية الجديدة سيكون مضاعفة العمل لتصفية «حزب الله» اللبناني واتخاذ موقف أكثر تشددا وأقرب إلى الموقف الأميركي تجاه البرنامج النووي الإيراني. أما بالنسبة إلى قضية الشعب الفلسطيني فإنه يبدو أن تطابق الرؤيتين الإسرائيلية والأميركية سيكون له بعد ثالث فرنسي.