في لبنان، البنود الدستورية شيء، والممارسة والثقافة الدستوريتان شيء آخر. كيف؟ بين النصوص والأعراف فروق شاسعة وسلسلة من الإلتباسات: الإلتباس الأوَّل ان لا ترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية، وفي إمكان مجلس النواب أن ينتخب شخصاً غير مرشح وغير معروف ولم يُدلِ يوماً بموقف أو بتصريح أو ببيان.
هذا الإلتباس يجعل رئاسة الجمهورية حقل اختبار لأي رئيس (مكتوم القيد) سياسياً وسلوكياً ومنهجياً. كيف الخروج من هذه الدوامة? من خلال سلسلة من المقترحات وفي مقدِّمها (تقديم ساعة خطاب القَسَم)، فبدلاً من أن يأتي هذا الخطاب بعد الإنتخاب، لماذا لا يأتي قبله من خلال طرح ما يُسمى (البرنامج الرئاسي)؟.
قد يقول قائل إن رئيس الجمهورية غير ملزم بتقديم برنامج وان سياسة الدولة يقررها البيان الوزاري للحكومة التي تُناط بها، مجتمعةً، السلطة الإجرائية، هذا صحيح لكن هذا الأمر لا يحول دون أن يعرف الرأي العام أولاً، والنواب ثانياً، مَن هو هذا الشخص الذي سيمكث في قصر بعبدا لست سنوات.
ان البرنامج الرئاسي يُتيح التعرف على شخص الرئيس، كما يُسهِّل التعرف على فريق عمله، فالتجارب السابقة ولا سيما الأخيرة منها، كانت مخيِّبة للآمال، فخطاب القَسَم جاء بعد الإنتخاب وكان حافلاً بالوعود البرَّاقة، واعتقد الناس ان البلد وُضع على سكة الحل، لكن عاجلاً تأكد الجميع ان هذا الخطاب لم يكن سوى مجرد وعود.
انتظر الناس فتح (الملفات) ولكنهم فوجئوا بفتح (الكيديات).والحكم يجب أن يكون بين يدي سيِّد العهد وليس بين أيدي رجاله.لقد وضع البيان الشهري لمجلس المطارنة الموارنة يده على هذه القضية، فحدّد ان الرئيس الجديد للجمهورية (يجب أن يتوفر له من الهيبة والسلطة والمناعة ما يجعل منه حكَماً بين جميع الأفرقاء).
الهيبة لا تتحقق بين ليلة وضُحاها بل هي سلوك ومِراس، وهذا ما قصدناه بالنسبة الى المواصفات. أما (المناعة) فتكاد أن تكون الصفة الأصعب، فكم من مرشح أوحى بأنه نظيف الكف واللسان، ليظهر لاحقاً أن هذه الصفات لم تكن سوى (سلع ترويجية) لتحقيق الطموحات.
بهذا المعنى نقترح على السادة المرشحين الجدّيين ان يتقدَّموا منذ الآن ببرامجهم الرئاسية وخطب القَسَم التي لديهم، خشية أن نصل الى رئيس يجعل من الجمهورية حقل تجارب لممارساته التي تكون أحياناً بعيدة كل البعد عن (الهالة الرئاسية).