هناك ما هو أكثر بكثير مما يمكن فعله لدعم قواتنا من مجرد لصق شريط أصفر صيني الصنع لا يزيد ثمنه على دولارين على سيارات مكتوب عليه عبارة «ادعموا قواتنا», تلك العبارة التي يجد كل سياسي نفسه مضطرا لتكرارها في كل خطاب يدلي به بصرف النظر كيف أصبحت العبارة مبتذلة أو كيف أصبح الغرض منها رخيصا للغاية،

ومؤخرا افتضح لدينا مجددا قدر الاحتيال والوضاعة والضحالة التي ينطوي عليها استخدام تلك العبارة من قبل هؤلاء الذين هم مسؤولون عن نصف التريليون دولار التي تُستقطع من أموال دافعي الضرائب الأميركيين والتي تلتهمها البنتاجون كل عام، فقد نشرت صحيفة «واشنطن بوست» تحقيقا فاضحا مدعما بالصور يكشف عن أنه مقابل كل مريض واحد يتلقى أفضل عناية طبية يمكن الحصول عليها في المستشفى الرئيسي في مركز والتر ريد الطبي العسكري،

هناك 17 مريضا عسكريا يقبعون في عنابر تابعة للمستشفى غير صالحة للاستخدام الآدمي، بعض من هؤلاء المرضى يلازمون مركز والتر ريد الذي لا يبعد سوى ميلين عن البيت الأبيض وكابيتول هيل، منذ 12 شهرا. إنهم يعيشون هناك في غرف تملؤها الحشرات والقوارض وبعضها مغطى بطبقات من العفونة المتراكمة نتيجة عدم النظافة.

الأمر لا شك يستدعي أقصى درجات الغضب والاستياء بسبب تلك المعاملة الإجرامية المتوحشة لأناس لا يستحقون أقصى درجات تعاطفنا فحسب وإنما يستحقون أيضا أعلى معدلات الإنفاق. مَنْ من ساستنا الذين لا تبارح الابتسامة شفاههم والذين يذهبون بشكل منتظم إلى المستشفى الرئيسي في والتر ريد لالتقاط الصور مع هؤلاء الذين عادوا لأوطانهم مثخنين بجراح الحرب التي بدأها الساسة -مَنْ من هؤلاء كلف نفسه عناء السير ربع ميل إضافي ليرى الغالبية من المرضى الذين يعيشون مع الفئران والصراصير؟،

لم يذهب أحد والدليل هو أن أحدا منهم لم يعترف يوما بأنه على علم بالمشكلة ومن ثم لم يُقدم أحد على علاجها قبل أن تطلق الصحافة جرس الإنذار، وخلال 24 ساعة ذهب عمال البناء إلى المستشفى وبين عشية وضحاها قاموا بطلاء الحوائط وأزالوا طبقات العفن الموجودة عليها ووضعوا سماً ومصائد للسيطرة على الفئران المستشرية في المكان.

وفي غضون 48 ساعة، أعلنت وزارة الدفاع إنها بصدد تكليف لجنة للتحقيق في الأمر. ولا شك أن اللجنة ستقدم تقريرا مفصلا يبين أنه لا يمكن توجيه اللوم لأحد، لاسيما من بين الساسة في الحزب الحاكم الذين يقبضون على رأس السلطة طوال سنوات الحرب. وسيخلص التقرير إلى أن السبب هو أن المؤسسة الطبية العسكرية كانت متخمة بالمرضى بسبب حربي العراق وأفغانستان.

و يأتي هذا الكشف في أعقاب تقرير آخر انفرد به زميلي كريس أدامز في التاسع من فبراير يفيد بأن الإدارة الأميركية ليست مستعدة لتوفير الرعاية لقدامى الحرب العائدين الذين يحتاجونها كي يتغلبوا على ما يعانونه من أمراض مدمرة، بعضها قاتل، مرتبطة بالصحة النفسية.

إن الساسة أنفسهم ابتداء من الرئيس ونهاية بالموظفين الذين يترأسون اللجان البرلمانية والذين من المفترض أنهم يراقبون مثل تلك الأمور، قد فشلوا فشلا ذريعا في حماية مقاتلينا المصابين. إنهم لا يملون من الحديث ولكن القليل منهم فقط هو الذي يعمل، كل هذا كان يتم بينما كانوا كلهم منشغلين مثل النحل في استقطاع المليارات من ميزانية ولاية فرجينيا ويخططون لإغلاق مركز والتر ريد بنهاية 2011 بذريعة توفير النفقات،

من بين هؤلاء الساسة كان هناك من أرسل قوات قليلة إلى أفغانستان أو العراق وفشل في توفير ما يكفي من دروع بشرية وأسلحة ومركبات مقاتلة ومنهم أيضا من رفض، من أجل حماية أطماعه السياسية، الاعتراف بأن المهمة لم تنجز وأنه يجب تغيير المسار.

كيف يمكن لهؤلاء أن ينظروا إلى وجوههم في المرايا كل صباح؟ كيف يتجرأون على لفظ تلك العبارات مثل «ادعموا قواتنا»؟ كيف يتجرأون على الادعاء بأنهم مهتمون بالفعل بمن أرسلوهم إلى نيران الحرب؟، لقد أخفى هؤلاء أكفان جنودنا عن أعين الشعب والصحافة.

إنهم يغلقون أعينهم عن المعاناة التي تسببت فيها أوامرهم التي صدرت لجيش أساؤوا استخدامه وأرهقوه نتيجة رعونة وعدم كفاءة في التفكير وفي التخطيط. إذا لم يشعر الشعب الأميركي بالمرارة والقرف مما حدث فإنني أقسم بربي أننا لا نستحق الحماية من ذئاب هذا العالم.

خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص لـ «البيان»