وصف المهتمون بأمور وقضايا الصحافة في العالم العام 2006 بأنه الأسوأ والأخطر والأكثر قتلاً ووحشية للصحافيين. حيث لقي أكثر من 150 إعلاميا محترفا حتفهم خلال السنة الماضية على مستوى العالم. كما تم اعتقال 871 صحفياً معظمهم بدون محاكمة وبدون سبب واضح. أما الدول الأكثر خطورة للعمل الصحفي فهي العراق والمكسيك والفلبين وكولومبيا وروسيا. كما تشير التقارير المختلفة إلى تراجع حرية الصحافة في دول عديدة كانت معروفة بالدفاع عن حرية الصحافة والفكر والرأي.
يحتفل العالم في الثالث من مايو من كل سنة باليوم العالمي لحرية الصحافة، وعادة ما يكون هذا اليوم فرصة لتقييم الذات والوقوف على أهم المضايقات وأهم المشكلات والعراقيل والتصفيات الجسدية والاعتقالات التي يتعرض لها الصحافيون في مختلف دول العالم.
ما هو وضع حرية الصحافة في العالم العربي؟ هل تحسنت الظروف أم أنها زادت سوءا؟ ماذا عن القوانين والتشريعات؟ وماذا عن دور المجتمع المدني والجمعيات والنقابات لحماية الصحافيين والدفاع عن كلمة الحق والإعلام الهادف؟
الصحافي أو القائم بالاتصال مطالب في المجتمع بالتأريخ اليومي لمجريات الأحداث والأمور، ومطالب كذلك بكشف الحقائق وإبرازها وتقديمها للرأي العام. الصحافي هو حلقة الوصل بين الحاكم والمحكوم بين المشّرع والمنفذ، بين السلطة والشعب وهذا ما يجعل من دوره دورا استراتيجيا ومحوريا في أي مجتمع.
تبعث دراسات وتقارير منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم و«مراسلون بلا حدود» والاتحاد العالمي للصحف والمنظمة العالمية للصحفيين وغيرها من المنظمات الحكومية وغير الحكومية على التشاؤم للوضع التي تعاني منه مهنة المتاعب. وضع محفوف بالمشكلات والمتاعب والخطورة والمضايقات والاعتقالات والتصفية الجسدية في بعض الأحيان.
ففي كل سنة هناك عشرات الصحفيين يموتون قتلا ويغتالون، ومئات منهم يسجنون، ومئات يحاكمون ومئات يتعرضون لمضايقات ولإهانات. هذا لا لشيء إلا لأنهم حاولوا القيام بواجبهم وبرسالتهم على أحسن وجه، حاولوا أن يكشفوا الحقيقة ويحاربوا الرشوة والمحسوبية والوساطة والفساد وتبييض الأموال وتهريب المخدرات. إلى غير ذلك من الآفات والأمراض التي يدفع ضريبتها وفاتورتها الغالبية العظمى ممن لا حول ولا قوة لهم.
تؤكد المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حرية الرأي والتعبير والحق في المعرفة، لكن في معظم دول العالم «مافيا» المال والسياسة لا تؤمن بهذا المبدأ وبهذا الحق، وأصبح من يملك المال والنفوذ والسلطة له حق التعبير والرأي أما باقي شرائح المجتمع فتكتفي باستهلاك ما يُقدم لها بدون مساءلة ولا استفسار.
إخبار الرأي العام وإيجاد سوق حرة للأفكار أصبحت من المهام الصعبة في معظم دول العالم، والقائم بالاتصال يجد نفسه في هذه المعادلة بين المطرقة والسندان، فهو أخلاقيا ومهنيا وعمليا مطالب بإعلام وإخبار الرأي العام ومن جهة أخرى يجد نفسه تحت ضغوط لا ترحم ولا تشفق لإرضاء أصحاب النفوذ والمال وأصحاب السلطة.
السؤال الذي يطرح نفسه هنا وخاصة بالنسبة للوطن العربي وأمام الدور الاستراتيجي لوسائل الإعلام في المجتمع، هل يتمتع الصحافي في الدول العربية بالحصانة الكافية؟ هل يتمتع بحماية قانونية وبتشريعات تحميه من جبروت السلطة والمال؟ هل ظروف عمل الصحافي في الدول العربية مهيأة ومواتية للقيام بالعمل الصحافي على أحسن وجه؟ ماذا بالنسبة للرضى عن العمل والعلاقة بمصادر الأخبار؟
في معظم الدول العربية مازال يُنظر للصحافة على أنها وسيلة في يد السلطة تتصرف فيها كما تشاء ووفق خطها السياسي والمسار الذي تحدده لها. وهكذا بدلاً من أن تكون الصحافة في الوطن العربي نعمة للشعوب وللرأي العام جاءت نقمة وعلة تزيّف الواقع وتلّمع كل ما تقبل عليه.
يُنظر في الوطن العربي للمؤسسة الإعلامية على أنها خطر ومصدر للإزعاج وللمشكلات. فالسلطة لا نثق في الصحافي ولا تتركه يقوم بمهمة الإعلام والإخبار والتحقيق والكشف عن المساوي والفساد والأمراض الاجتماعية وفق أصول ومبادئ العمل الإعلامي.
تعتبر حرية الصحافة والديمقراطية وجهين لعملة واحدة، فلا نظام ديمقراطي بدون منظومة إعلامية قوية وفعالة ومشاركة في الحياة السياسية وعملية اتخاذ القرار. وأهم العراقيل التي تقف حاجزا أمام حرية الصحافة في معظم الدول العربية والدول النامية القوانين الجائرة والصارمة التي تحد من إبداع الصحافي ومن عطائه، أضف إلى ذلك أن معظم قوانين النشر والمطبوعات وتشريعات الصحافة تفرض على القائم بالاتصال ممارسة الرقابة الذاتية.
وهكذا تصبح الآلة الإعلامية عالة على المجتمع، فبدلا من أن تكون عنصرا فعالا تسهم في محاربة الآفات الاجتماعية وتشارك في تقديم الحلول للمشكلات المختلفة تصبح في يد القلة الحاكمة التي قد تكون في الكثير من الأحيان على خطأ في قراراتها وطرق إدارتها للكثير من الشؤون الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
كما ترتبط حرية الصحافة كذلك بالكثير من المعطيات والمستلزمات التي يجب أن تتوفر في المجتمع. ومن هذه المستلزمات فلسفة ونظرة السلطة والمجتمع لوسائل الإعلام، كذلك النضج السياسي والممارسة السياسية لدى الشعب، وكذلك وجود الجمعيات السياسية القوية وجماعات الضغط ومؤسسات المجتمع المدني.
وجدلية حرية الصحافة والديمقراطية تكمن أساسا في أن الأخيرة تقوم أساسا على الاتصال السياسي وحرية التعبير والفكر. وبطبيعة الحال هذه الأمور لا تتحقق إلا بوجود إعلام يراقب وينتقد ويكشف ويحقق. فالأطراف الفاعلة في الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية بحاجة إلى وسائط إعلامية ومنابر للحوار والنقاش والاختلاف في الرأي، والتعبير عن وجهات النظر المختلفة...الخ.
إن أي تراجع في حرية الصحافة يعني تراجعاً في الديمقراطية وتاريخ حرية الصحافة في العالم يؤكد فكرة التأثير المتبادل بين الديمقراطية والصحافة. فالأنظمة السياسية الدكتاتورية أو السلطوية لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تحلم بصحافة حرة وقوية ونفس الشيء يمكننا قوله عن تلك الأنظمة التي لا تؤمن بالتعددية الحزبية وبحرية الرأي والتعبير. فصحافة هذه الأنظمة تكون دائما أحادية الاتجاه تخدم من يشرف عليها ويمولها ويسيطر عليها.
يحتاج النظام الإعلامي العربي الراهن إلى نظرة نقدية جادة مع نفسه كما يحتاج إلى مراجعة واقع الممارسة الإعلامية للوقوف على السلبيات والتعلم من الأخطاء والهفوات السابقة للانطلاق بخطى قوية وإيجابية نحو مستقبل لا يكون فيه الإعلام وسيلة للسيطرة والتحكم والتلميع والتملق
وإنما وسيلة للحرية والعلم والمعرفة والفكر والإبداع والاختلاف في الرأي. وهذا يعني توفير الحصانة القانونية والتنظيمية للقائم بالاتصال حتى يؤدي رسالته على أحسن وجه.إن قتل الصحافي واغتياله هو اغتيال الكلمة الصادقة والإعلام الهادف، بعبارة أخرى إقصاء الرأي الآخر والقضاء على الحوار والديمقراطية ومستلزمات التنمية المستدامة.
كلية الاتصال - جامعة الشارقة