مأساة الحداثة العربية أنها تمثل مشروعات فردية بالأساس. فالحداثة العربية لم تعبر عن حركات اجتماعية حقيقية مُمثلة لشرائح وطبقات اجتماعية ذات مصالح فعلية في الواقع الاجتماعي المعيش. فطوال ما يقرب من قرن ونصف من الزمان لم تكن الحداثة العربية سوى جهود أفراد متناثرين، أو شلل فكرية متناغمة، تكاد تكون منبتة الصلة بالواقع اليومي وصراعاته المختلفة.

كما أن الحداثة العربية كانت مرتبطة أشد الارتباط بالسلطات الحاكمة ومعبرة عنها ومتناغمة معها ومستفيدة من عطاياها. فلم تكن الحداثة العربية ضد مشروع الدولة ومناوئة له، بل يمكن القول بالعكس من حيث ارتباطها به، واستفادتها منه.

ومن اللافت للنظر هنا أن معظم أرباب الحداثة العربية منذ رفاعة رافع الطهطاوي وحتى الآن ظهروا من خلال مشروع الدولة العربية، وفي ظل المنح والعطايا التي كفلتها هذه الدولة، بغض النظر عن تنوع نظمها وأشكالها السياسية المختلفة، وبغض النظر عن تنوع مشاربها وتوجهاتها الأيديولوجية.

إضافة إلى ذلك، فإن مشروع الحداثة العربية، على الرغم من محدودية تأثيره، نشأ من خلال المواجهة التي حدثت مع الحضارة الغربية، الأكثر تقدماً وتطوراً. وهو الأمر الذي أدى بمشروعات التحديث العربية إلى ذلك المأزق المراوح بين جدل الداخل وجدل الخارج، بدون أن يحسم الأمر فيما بينهما، وبدون أن يخلق تكوينا إبداعياً جديداً يجمع فيما بينهما، رغم الصعوبات الكثيرة التي تكتنف تلك المحاولة.

ويعبر رفاعة رافع الطهطاوي، رائد ما يُسمى بالمشروع العربي التنويري الحديث، عن فردية المشروع التحديثي العربي من جانب، وعن ارتباطه صعوداً وهبوطاً بمشروع الدولة، وتجلياته السياسية والاجتماعية والاقتصادية المختلفة من جانب ثاني، وعن صدمة المواجهة بالحضارة الغربية من جانب ثالث. لقد مثلت هذه العوامل الثلاثة الخلفية التاريخية والبنيوية التي ظهر مشروع الطهطاوي التحديثي من خلالها.

يُعتبر الطهطاوي أصدق مثال على فردية المشروع التحديثي العربي؛ فلم يكن الطهطاوي تعبيراً عن حركة فكرية مجتمعية واسعة، بل كان مجرد امتداد بسيط وتلقائي وعفوي لشيخه المستنير حسن العطار. كان الشيخ رفاعة أزهريا، نشأ ضمن أروقة الجامع الكبير، وثقافته الجامدة التي تدور وتلف حول ما يُعرف بالشرح والمتون.

ورغم نباهته المبكرة ونشاطه الوفير فإن الواقع الاجتماعي الديني التقليدي لم يسمح له في النهاية سوى أن يكون شيخاً أزهريا أقل تقليدية مقارنة بشيوخ الأزهر الآخرين، المتحولقين حول أعمدة المسجد العظيم. لقد كان الأزهر مثالاً واضحاً لما آل إليه حال المؤسسات الدينية في العالم العربي والإسلامي على السواء. ورغم حدة التقليدية التي ارتبطت بالأزهر في ذلك الزمان، فإنه ربما كان أفضل المؤسسات التعليمية الموجودة في فضاء العالم العربي والإسلامي.

لم يكن من الممكن أن يبزغ نجم الطهطاوي في القرن التاسع عشر، وأن تُستثار طاقاته التنويرية المختلفة، لولا ظهور المشروع التحديثي لدولة محمد علي الاستبدادية. فقد التقت رغبات وقوى وطاقات الطهطاوي التحديثية مع مشروع محمد على، وارتبطت به.

ولم يكن من الممكن ظهور الطهطاوي ذاته لولا نباهة الشيخ حسن العطار الذي توسط لدى الباشا محمد على من أجل تعيين الطهطاوي إماماً لأول بعثة تحديثية أرسلها محمد على إلى فرنسا عام 1826. ومن المفارقات أن يبدأ الطهطاوي مشروعه التحديثي على هيئة رجل الدين المُرسل من قبل الدولة الراعية ممثلة في هيئة الحاكم الفرد المستبد من أجل الحفاظ على القيم الدينية الإسلامية والعادات والتقاليد الخاصة بالمجتمع المصري.

ومن المفارقات أيضاً أن ينقلب الطهطاوي على هذه الوظيفة ليرتمي في أحضان اللغة الفرنسية والترجمات المختلفة من الفرنسية إلى العربية. وينتهي به الحال إلى الدعوة للفكر الاجتماعي والسياسي والاقتصادي الغربي الحديث، ورصد إيجابياته وسلبياته المختلفة.

لقد نشأ مشروع الطهطاوي التحديثي بالصدفة البحتة، مثل العديد من المشروعات التحديثية التي تتابعت بعد ذلك على أيدي العشرات من دعاة التحديث العرب فيما بعد. فالصدفة وحدها هى التي دفعت الطهطاوي بعد وفاة والده للنزوح من صعيد مصر إلى القاهرة حيث الجامع الأزهر.

كما أن الصدفة وحدها هي التي أوقعته في رحاب الشيخ المستنير حسن العطار، وهى وحدها التي دفعت به للارتباط بمشروع الوالي المستبد. ورغم الأهمية النسبية للصدف والمفاجآت في حركة التاريخ ومجرياته، فإنها في عالمنا العربي تمثل الركن الركين في مشروعات التحديث المختلفة التي حدثت طوال قرن ونصف من الزمان، وربما يمثل ذلك أحد نقاط ضعفها الرئيسة.

اكتسب الطهطاوي أهميته ووجوده من ارتباطه بمشروع الوالي، ولعل ذلك هو ما جعله يكيل له المدح في مقدمة كتابه الشهير «تخليص الإبريز في تلخيص باريز». يقول الطهطاوي عن الوالي الباشا المستبد محمد على: «الوزير الأعظم، والدستور المكرم المفخم، نادرة وزراء الزمان، وشاردة أمراء الأوان، من أحيا العلوم باجتهاده، ونصب رسوم الإسلام بغزوه وجهاده، صاحب العلم المنيف، وفاتح الحرم الشريف، حضرة أفندينا ولى النعم، عظيم الشيم، الحاج محمد على باشا بلغه الله تعالى ما يشاء وما يشاء، آمين».

وحتى عندما ينتهي الطهطاوي من كتابه فإنه يربط ذلك بفضل الوالي ونعمه المختلفة. يقول الطهطاوي «وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا الكتاب مقبولاً لدى صاحب السعادة ولى النعم، معدن الفضل والكرم، وأن يوقظ به من نوم الغفلة سائر أمم الإسلام من عرب وعجم، إنه سميع مجيب، وقاصده لا يخيب».

لم ير الطهطاوي في محمد على كونه أحد المماليك الوافدين على مصر، ولم ير فيه استبداده، ولم ير فيه أية عيوب يمكن الإشارة إليها. العكس هو الصحيح، فهو درة هذا الزمان، وصاحب مشاريع التحديث والرقى والتمدن. لقد كان الطهطاوي مستفيداً من نظام محمد علي، الذي أجزل له العطاء،

ورفعه من رتبة الفلاحين المعدمين إلى رتبة البكوات وأصحاب الأبعديات والأراضي، مثله في ذلك مثل ملاك هذا الزمان الإقطاعيين المستغلين لعموم الفلاحين المعدمين. وهو ما أدى بالطهطاوي إلى أن يدفع الثمن غاليا حين انتهى عصر محمد على وتقلد الحكم عباس الأول الذي انقلب على سياسات جده محمد على التحديثية، وحرم الطهطاوي من امتيازاته ومناصبه المختلفة ونفاه إلى السودان.

لقد جاءت معظم مشروعات التحديث العربية مرتبطة بالدولة وغير مستقلة عنها، وهى معضلة مهمة وفاصلة في تاريخ التحديث العربي المعاصر. فالدولة تمثل ركيزة أساسية في العالم العربي، ولا يمكن الفكاك من حجم طغيانها وهيمنتها. وهو الأمر الذي يتعارض تماماً مع معظم المشروعات التحديثية التي يطرحها المثقفون والمفكرون العرب، وعلى رأسها البدء في الإصلاحات السياسية والتشريعية.

وإذا كانت الدولة تتسم بالطغيان فهي أيضاً صاحبة اليد الممدودة بالوظائف والعطايا والمنح المختلفة. لقد ظلت هذه المعضلة تلاحق كل مشروعات التحديث العربية، وهو الأمر الذي دعا البعض إلى تجسير الفجوة بين المثقف والأمير من أجل إيجاد صيغة مجتمعية تحديثية مقبولة لكلا الطرفين، تجنبهما الصدام المستمر والمتواصل، وتسهل من تنفيذ برامج التحديث المختلفة.

وكما جاء مشروع الطهطاوي التحديثي تعبيراً فرديا مرتبطاً بالحاكم المستبد ومستفيداً منه، فإنه جاء بدرجة كبيرة مقارنة دائمة ومستمرة بين ما رآه في فرنسا، وما عايشه في مصر. بل إنه جاء حسرات مستمرة على ما يواجهه العالم العربي والإسلامي على السواء. يقول الطهطاوي في معرض حديثه عن فرنسا: «ولعمر الله أنني مدة إقامتي بهذه البلاد في حسرة على تمتعها بذلك

وخلو ممالك الإسلام منه وإياك أن تجد ما أذكره لك خارقاً عن عاداتك، فيعسر عليك تصديقه، فتظنه من باب الهذر والخرافات، أو من حيز الإفراط والمبالغات، وبالجملة فبعض الظن إثم، والشاهد يرى ما لا يراه الغائب». هكذا كان الطهطاوي مقارناً في كل ما رآه بين الغرب المسيحي والشرق المسلم، متمنيا أن يجد مثيل ما رآه في فرنسا حادثاً في مصر والعالم الإسلامي.

هل كان مشروع الطهطاوي تحديثيا على وجه حقيقي؟ وهل وعى الطهطاوي التغيرات اللازمة والضرورية لتحقيق المشروعات التحديثية في العالم الإسلامي؟ وهل كان الطهطاوي يريد من طرف خفي نقد محمد على ومشروعه التحديثي وهو يتحدث عما رآه في فرنسا من مساواة وعدل وتقييد لسلطات الملك؟

وهل شعر الطهطاوي بذلك الانقسام الحاد الذي يستشعره المثقف الحقيقي بين ذهب المعز وسيفه؟ أسئلة كثيرة ارتبطت بهذا المفكر المهم الذي مازال يثير تناوله الكثير من مآسي التحديث في العالم العربي المعاصر، والذي لم يصل لصيغة محددة وفعلية تتيح له التقدم والتطور مثل سائر خلق الله!! .

كاتب مصري

salehabdelazim@hotmail.com