ما أجمل أن يختار الشعب رئيسه بشكل ديمقراطي حر على أساس برنامج سياسي واضح ولمدة زمنية محددة كما حدث قبل أيام قليلة في فرنسا التي صوت فيها الشعب الفرنسي للمرشح اليميني نيكولا ساركوزي. والحق يقال ان ما حدث في فرنسا من منافسة قوية بين المرشحين للوصول إلى قصر الإليزيه في باريس بأسلوب حضاري ومدني يستحق المديح والإشادة ويثير اهتمام الشعوب المختلفة في العالم الثالث.
ولكن لا بد التذكير بالانتخابات الرئاسية والتشريعية الحرة والديمقراطية في فلسطين المحتلة وكذلك في موريتانيا وهذا يجعلنا نتفاءل بأن العالم العربي بدأ ولو ببطء شديد يعي أهمية الديمقراطية والحكم الرشيد. والحديث هنا بالتأكيد لا يشير إلى الديمقراطية التي جاءت بها إدارة الرئيس بوش إلى العراق والمنطقة.
فهذه الإدارة التي تعلن باستمرار شعارات الديمقراطية والحرية وحكم الشعب هي ذاتها الإدارة التي رفضت إرادة الشعب الفلسطيني عندما اختار بشكل ديمقراطي نزيه ممثليه في الأراضي الفلسطينية المحتلة. وهي الإدارة التي تدعم بشكل مطلق نظام الفصل العنصري في إسرائيل وسياسة الاحتلال الأمر الذي يخالف جميع القوانين والأعراف الدولية وحقوق الإنسان.
واختيار ساركوزي رئيساً لفرنسا من قبل الشعب الفرنسي يعكس بالدرجة الأولى الأوضاع الداخلية في فرنسا ثم بالدور الذي يجب أن تلعبه الجمهورية الخامسة على مستوى السياسة الدولية وخاصة في القارة الأوروبية. فالرئيس المنتخب والذي أطلق عليه العديد من المحللين والباحثين (بالنيو بوش الفرنسي) هو سياسي يميني غير تقليدي أو يتجاوز برؤيته للدور الفرنسي في السياسة الخارجية خط أسلافه من الديغوليين لاسيما فيما يعلق بالعلاقات الفرنسية ـ الأميركية التي شهدت فتوراً وتذبذبات عديدة في العقد الأخير.
والسؤال المهم بالنسبة للعالم العربي هو هل ستشهد السياسة الفرنسية شرق الأوسطية تغييرات جذرية أم أنها ستستمر بنفس النهج الذي اتبعه الرئيس السابق جاك شيراك في ما يتعلق بملف النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي أو العربي ـ الإسرائيلي أو في الملف اللبناني والعلاقة مع سوريا بالإضافة إلى الموضوعين العراقي والسوداني. وبشكل عام، إلى أين يمكن أن تسير العلاقات الفرنسية ـ العربية؟
بالتأكيد سيفتقد معظم القادة العرب الرئيس شيراك الذي نسج علاقات صداقة مع غالبية الزعماء العرب الذين يعرفهم ويتعاطى معهم عن قرب منذ أن وصل إلى رئاسة الحكومة المرة الأولى إبان رئاسة فاليري جيسكار ديستان عام 1974. وخلال الـ 12 سنة التي قضاها في سدة الرئاسة، زار شيراك العالم العربي وكان قصر الاليزيه مفتوح الأبواب دائما لزواره من المسؤولين العرب.
أما بالنسبة إلى الرئيس الجديد فهو لا يعرف العالم العربي بشكل جيد بسبب عدم تسلمه حقيبة الخارجية وحقيبة الدفاع. لكنه في اضطلاعه بوزارة الداخلية لمدة 4 سنوات، قيد له أن يهتم بمسائل التعاون الأمني مع الدول العربية خصوصا في منطقة المغرب العربي التي يعرفها أكثر من غيرها من المناطق العربية الأخرى.
كما أن الرئيس الجديد لا يملك طباع الرئيس شيراك الذي كان بارعاً في إضفاء الحرارة على لقاءاته مع القادة العرب. فساركوزي الذي التقى مع السفراء العرب في باريس قبل الانتخابات بادرهم بالقول إنه (صديق لإسرائيل) ولكنه أيضاً (صديق للعرب). والمعروف أن الدبلوماسيين العرب يأخذون على ساركوزي أمرين: «تمجيده» للولايات المتحدة الأميركية وقربه من إسرائيل، بالتالي فهم يتخوفون من اصطفاف الدبلوماسية الفرنسية وراء الدبلوماسية الأميركية.
لقد قدم ساركوزي نفسه أثناء حملته الانتخابية على أنه مرشح «الانقطاع» عن السياسات السابقة الداخلية والخارجية. وذهب إلى حد انتقاد سياسة بلاده في العراق إبان زيارة قام بها إلى واشنطن حيث وصف السياسة الفرنسية بأنها «صلفاء»، وشدد على الصداقة الفرنسية ـ الأميركية وهو بأي حال لا يخفي إعجابه بـ «النموذج» الأميركي، كما أنه لا يخفي كذلك «تعلقه» بإسرائيل.
مقابل ذلك كان ساركوزي الوحيد من بين القادة السياسيين البارزين الذين وصفوا حزب الله بأنه منظمة إرهابية العام الماضي. وفي ردود مكتوبة على أسئلة وجهتها إليه جمعيات مدنية فرنسية ولبنانية، اعتبر ساركوزي أن حزب الله منظمة «مرتبطة بسوريا وإيران» وأن الحزب «ميليشيا مسلحة»،
وبالتالي فإن وضعه غير مقبول في «دولة عصرية وديمقراطية». كما يدعو ساركوزي حزب الله إلى «تغيير جذري في سلوكه» وإلى تسليم سلاحه لأن ذلك «أمر أساسي للاستقرار في لبنان وفي كل المنطقة»، بالرغم من أنه يرى أن هذه العملية «من مسؤولية الدولة اللبنانية». يذكر أن ساركوزي اتهم حزب الله بأنه كان «المعتدي» في الحرب الإسرائيلية الأخيرة في لبنان وأن إسرائيل كانت «المعتدى عليها».
وبالنسبة للعلاقة مع سوريا، فقد أكد ساركوزي أنه «لا يمكن الاستغناء» عن الحوار مع دمشق شرط أن تكون سوريا مستعدة لحوار بناء وموثوق به وأن تكون عازمة على احترام سيادة لبنان واستقلاله، وأن تساهم في حل المشاكل الإقليمية بدل من «إذكاء نارها». وربط ساركوزي بين قدرة النظام السوري على اتخاذ قرارات جادة وإثبات الثقة وبين الخروج من العزلة أو البقاء فيها.
أما بخصوص الموضوع الفلسطيني، يعتبر ساركوزي أن النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي هو «مصدر انعدام الاستقرار الإقليمي» لكنه يحذر من اعتبار أن إيجاد حل له «يعني نهاية المشاكل في الشرق الأوسط»، ويدعو الى «الكف عن الاستغلال المنهجي له».
ويرى ساركوزي الذي يدعم مبادرة السلام العربية أنه «ليس من المفيد جعل حل مشكلة اللاجئين شرطاً مسبقاً للمفاوضات» إذ أن المنطقة «بحاجة إلى حلول وليس إلى شعارات». وبحسب الرئيس الجديد، إن لفرنسا «دوراً خاصاً» تلعبه في البحث عن حل للنزاع وهذا الدور يتمثل بـ «المسهل» لعملية التفاوض بين الطرفين والساعي إلى «إعادة خلق مناخ الثقة» بينهما.
بالمقابل فالرئيس الجديد يرى أنه «بتعين على فرنسا التزام مواقف أكثر توازناً وخطاباً أكثر صراحة»، مما يعني أن مواقف فرنسا كانت حتى الآن غير متوازنة أي متحيزة لصالح العرب. ويقول ساركوزي: «أقول لأصدقائنا الفلسطينيين إن وجود أمن إسرائيل ليس محل تفاوض وأن لا شيء يمكن أن يبرر العنف... وأقول لإسرائيل إن عليها أن تتهيأ لتقديم تنازلات مؤلمة للسماح بقيام دولة فلسطينية».
المكتوب واضح من عنوانه. بالنسبة لساركوزي حقوق الفلسطينيين هي تنازلات صعبة من قبل إسرائيل والعلاقات مع سوريا مشروطة وليست مجاناً وحزب الله المقاوم ضد الاعتداءات الإسرائيلية في نظره ميليشيا إرهابية والشعب الجزائري لا يستحق اعتذاراً من فرنسا التي ارتكبت ضده جرائم عديدة ومنطقة الخليج العربي لا تتعدى سوى أنها منطقة نفطية هامة للمصالح الفرنسية.
الحقيقة أننا لم نعد في العالم العربي نتفاجأ كثيراً من الشعارات التي تأتينا من العالم الحر الذي ما فتئ يستخدم سياسات الكيل بمكيالين وعدم الاكتراث بالقانون الدولي والقرارات الأممية التي يفترض أنها تنصف الشعوب المظلومة.
ولكن إذا كان ساركوزي جاداً في شعاراته التي أطلقها أثناء حملته الانتخابية وقبل ذلك وأراد فعلاً أن يكيف السياسات الفرنسية طبقاً لسياسات إدارة الرئيس بوش في منطقة الشرق الأوسط عندها نقول له احذر الفشل واقرأ التطورات الجارية على أرض الواقع ولا تتطرف بمواقفك السياسية ولا تنس القيم الحقيقية للجمهورية الفرنسية التي كانت دائماً أنموذجاً رائعاً يحتذى به.
كاتب وباحث سياسي
isam997@hotmail.com