بدلا من أن يبحث العرب في السنوات الأخيرة عن إطار فكري يحكم الحركة السياسية شغلتهم مسألة الهوية عما سواها، فصارت تساؤلات من قبيل «من نحن؟» تتقدم كثيرا على نظيراتها من قبيل «ماذا نريد؟». لا يعني هذا بالطبع أن الإجابة عن السؤال الأول ليست مهمة، لكن ما سبق يشدد على أن الاستغراق في جدل حول الهوية، بما يؤدي إلى الإجحاف بقضايا أخرى مهمة يبدو أمرا غير مستساغ في مجتمع يحاول أن يقطع شوطا على درب التحديث.
فالسير على التوازي في حل المعضلات الفكرية والاجتماعية هو الأمر الطبيعي، الذي يفرضه الواقع المعاش، إذا لا يمكن في اللحظة التاريخية الواحدة أن يتم التعامل مع تلك المعضلات بشكل رأسي، بحيث نبدي اهتماما مبالغا فيه بإحداها ونهمل البقية، تحت ذرائع عدة، لا تمثل في نهاية المطاف سوى مصالح ومشارب فئة بعينها، خاصة مع انتشار الفساد السياسي والاجتماعي في مجتمعاتنا العربية، وظهور أنماط مشبوهة من التحالفات الاجتماعية التي لا ترى سوى مصالحها الضيقة.
وقد بات هناك اقتناع بأن أي رؤية لإصلاح سياسي عربي لا يمكن أن تتم بمعزل عما دار ويدور من أفكار وسلوكيات وأحداث في سياق أوسع، قد يمتد ليشمل المعمورة بأسرها. فالنخب السياسية والفكرية العربية لا تعمل في فراغ، بل تستمد بعض وجودها وتوجه جزءا من خطابها إلى نخب أخرى تتواجد في بلاد شتى.
والتحركات السياسية والدبلوماسية للعرب لا تتجه إلى مجهول وإنما لأمم وشعوب أخرى. والتطور السياسي والاجتماعي الذاتي لا يعتمد على العناصر المحلية فقط، بل يتأثر بما يجري في المحيط الأكبر. علاوة على هذا فإن إغفال ما تراكم من تجارب وأفكار لدى «الآخر» يجعل بذل أدنى مجهود في سبيل بناء أطر فكرية لمشروع إصلاح سياسي عملا منقوصا إلى حد كبير.
واستقراء خريطة الأطروحات الفكرية العربية الراهنة يشي بأن هناك حالة من التعددية في تصور ما يجب فعله لنغذي الحداثة الفكرية، ونفتح الباب أمام حركة التحديث المادي في شتى ضروب المعيشة. وهذه التعددية محمودة إذا كانت قائمة على قاعدة من التسامح والرغبة الصادقة في الحوار والانفتاح،
لكنها مذمومة إذا غلبها التعصب وادعاء الصواب وصولا إلى الزعم باحتكار الحقيقة. والتسامح والحوار لا يعني النزول عما هو معتقد فيه أو يظن أصحابه أنه الأفضل، فلن يضير المجتمع أن تخلص كل فئة لأفكارها، أو كل حزب سياسي لبرنامجه المعلن، ما دام هناك استعداد لسماع الآخر،
وهناك قواعد سياسية واجتماعية مرعية تسمح بتنصيب من لديه شرعية ديمقراطية، أو حتى شرعية تقليدية، حظيت ببيعة عامة أو موافقة، مثل الحال في كثير من المجتمعات، التي لم تقطع شوطا ملموسا على درب التحديث السياسي، شريطة أن تكون هناك نزاهة وشفافية، وإجراءات مستمرة نحو صيغة أكثر ديمقراطية.
وهنا تظهر الحالة السيئة التي عليها العرب. ففي المبتدأ لا يوجد تنظير سياسي حقيقي، بقدر ما هو نقل مشوه، يصل أحيانا إلى حد الاجترار الأعمى، لما أنتجته قرائح أخرى. وفي الخبر لا توجد ممارسة تقوم على الحوار والتسامح والإيمان بتلاقح الأفكار ووجود نقاط التقاء بين التيارات الاجتماعية، تفرضها التحديات والقضايا المشتركة، ناهيك عن المعين والمصير المتشابه، أو الواحد كما يعتقد البعض. ويغذي التاريخ هذه الانغلاقية،
فمن قبائل متناحرة تدعي كل منها أنها الأكثر شرفا ومهابة وأحقية في السيادة، إلى فرق متقاتلة تزعم كل منها أنها «الناجية»، وصولا إلى أحزاب شكلية ليس بينها حوار سياسي حقيقي والتزام بقواعد ممارسة عادلة وشريفة، وسلطة مستبدة تحتكر توزيع الأشياء المادية والمعنوية.
لا يعني هذا أن الصورة قاتمة على الدوام، فهناك فترات انقطاع في التاريخ العربي ـ الإسلامي، ساد فيها العدل والإيمان بالاجتهاد، وعلى الدوام ظل المجتمع حيا في رفضه لتردي الأحوال وسعيه للاستيقاظ من حالة السبات، مدفوعا بما في النص الديني من دعوة للأخذ بأسباب القوة،
والتكافل الاجتماعي، ومقاومة السلطان الجائر، وانتهاج الحكمة والموعظة الحسنة سبيلا لجذب الأتباع وتجنيد الأنصار. لكن هذا التيار بقي دائما في حالة انكماش لم يتمدد إلا بالقدر الذي يحافظ، إلى حد ما، على نواة الرغبة في الخروج من نفق التاريخ إلى براح التقدم والرقي، سواء بإصلاح ديني واجتماعي، أو باستلهام فترة المنعة والقوة التي مر بها العالم الإسلامي.
واستمر هذا الانكماش قرونا حتى وجد العرب أنفسهم موزعين في القرن العشرين على أيديولوجيات شتى. فهناك حركة «الإحياء الديني» التي شملت نسيجا عريضا يمتد من الصوفي الانكفائي إلى الراديكالي الذي يتخذ العنف سبيلا لتغيير الأوضاع السياسية والاجتماعية السائدة.
وهناك حركة «اليسار» حيث المعتنقون للاشتراكية بمختلف ألوانها، ابتداء من الماركسية إلى الاشتراكية الاعتدالية. وهناك تيار «اليمين» الذي تحمس لليبرالية بشكلها الغربي. وأفرزت البيئة العربية أيديولوجيات خاصة بها، في مقدمتها «الناصرية» و«البعثية».
ولم تقف حدود جامدة بين هذه الأيديولوجيات، إنما كانت، ولا تزال، هناك حالة من التفاعل والتلاقي بينها، لكن هذا يتم على استحياء وعبر فئات وجهات محدودة. وقد أفرز هذا التفاعل، الذي لم يخل من تلفيق، رؤى مثل «اليسار الإسلامي» أو «الإسلام الليبرالي»، وتقابل أغلب الأطروحات عند نقطة «التيار القومي»، في حوار بين العروبة والإسلام، من جهة، وفكرة «الاشتراكية العربية» من جهة ثانية.
لكن الوضع الذي آلت إليه الأمور يظهر أن أيا من هذه الأيديولوجيات لم يمتلك النجاعة الكافية لينهض بالواقع، أو أن الفجوة التي كانت بين الفكر والممارسة ظلت من الاتساع بما حال دون توافر «مشروع فكري» قادر على التصدي للمعضلات التي واجهها العرب على مدار القرنين الماضيين.
وبعد مرور أكثر من قرن من الزمان على الأطروحات الأولى لرواد «التنوير في مصر والشام، لا تزال القضايا التي أثاروها محل نقاش، ويعاد اجترارها وإنتاجها، وكأن السنين تمر بالعقل العربي دون أن يراكم نفعا فكريا يمكنه من إجابة التساؤلات العديدة المطروحة حاليا بشدة، وحل المعضلات التي تعوق الخروج من إسار الماضوية، والتي تجعل التيارات الفكرية العربية كافة سلفية في رؤيتها، رغم إدعاء بعضها مواكبته لمتطلبات العصر في أطروحاتها وممارساتها.
فالحياة الفكرية العربية لا تزال مشحونة بالثنائيات «المتقابلة»، والتي لم تبذل جهودا كافية للتوفيق بينها، بما يوفر قاعدة للانطلاق إلى ما بعدها من قضايا. فمازلنا نتحدث عن القطرية/ الوحدة، الدولة/ الأمة، الديني/ المدني، الأصالة/ المعاصرة، الفرد/ المؤسسة، النص/ الممارسة... الخ
وهذا التقابل لا يكمن في جوهر هذه المسائل، بقدر ما يتجسد في إدراكنا نحن لها، أو تعاملنا معها على أساس منطق «إما... أو»، ولا يزال الكثيرون من العرب ممزقين بين ميول عاطفية وتحيزات فكرية عديدة في آن واحد، وكأن الأمور لا توجد إلا في شكل مفارقات أو متضادات. وزاد الأمر تعقيدا أن هذه الثنائيات تماهت في سياقات أخرى، حيث باتت تناقش في إطار أوسع يرتبط بأيديولوجيات عديدة عرفها العالم العربي.
مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط ـ القاهرة