الجميع يعرف الأنظمة الاقتصادية في العالم ويُمكن الإشارة إليها بسهولة، وهي النظام الاقتصادي الرأسمالي والنظام الاقتصادي الشيوعي والنظام الاقتصادي الاشتراكي وهو الذي انشق عن النظام الاقتصادي الشيوعي والذي يسمى بالنظام الاقتصادي الشمولي، وهو يعني سيطرة الدولة على جميع مناحي الحياة الاقتصادية مما يفقدها روح التنافس ومما يفقدها أيضاً التطور المطلوب،
فنجد أن أغلب الدول التي اعتنقت النظام الاقتصادي الشيوعي أو الاشتراكي يكون في النهاية اقتصاد تلك الدولة متدني المستوى رغم بعض الإيجابيات التي يتمتع بها هذا النظام الاقتصادي والذي لا نريد الدخول في تفاصيلها، أما الاقتصاد الرأسمالي الذي يعتمد على الإنتاج كعنصر أساسي فيه فإن الدول التي اعتنقت هذا النظام قد حققت بعض النجاحات غير أن دولاً أخرى ممن أخذت بهذا النظام انتهى بها المآل إلى المجاعة،
ذلك وكما قلنا إن عصب حياة هذا النظام هو الإنتاج ولكن أي إنتاج مقصود به هنا؟ المقصود هو الإنتاج الراقي والمتين والذي يكون مقبولاً بدرجة كبيرة في الاستهلاك ويصلح للتصدير ومقبولاً لدى الدول الأخرى ومتى كان إنتاج تلك الدولة إنتاجاً جيداً وذا نوعية راقيه فإن هذا سيكون مؤشراً على حسن مسار هذا النظام الاقتصادي، والمقصود بالرأسمالي، وبالتالي سينعكس ذلك إيجاباً على العناصر الأخرى
لذلك النظام، بمعنى أن هذا الإنتاج يجب أن يكون جيداً وبكميات كبيرة تغطي حاجات المستهلك وتزيد على الحاجة مما يتم تطويع الزيادة هذه في خدمة الاقتصاد من خلال التصدير، ولذلك فإن الدول التي اختطت هذا النوع من النظام الاقتصادي ونجحت في الإنتاج الكبير فإن نجاحها القوي والتصدير عادا عليها بإيجابيات كبيرة وهذه الإيجابيات تكون جديرة بتغطية سلبيات هذا النظام الرأسمالي ومنها الاستهلاك الكبير والصناعات الكمالية والترفيهية،
وهذه السلبيات هي التي ترهق بعض الدول التي تأخذ بالنظام الرأسمالي دون أن تراعي وتوازن بين مسألة الإنتاج وكميته ونوعيته ومسألة الكماليات والصناعات الترفيهية التي ترهق المستهلك من جهة وتضعف الإنتاج من جهة أخرى مما يؤثر سلباً بالنهاية على اقتصاد الدولة ويرهقها.
إذن نوعية الإنتاج وجودته ومتانته هي العلامة المميزة في نجاح أي اقتصاديات في العالم مع وجود نظام اقتصادي متين من شأنه أن يسير باقتصاد الدولة إلى التقدم ومثال ذلك الاقتصاد الألماني والياباني وحالياً القوى الاقتصادية التي أخذت تتقدم بسرعة هائلة مثل الهند والصين.
وعلى هذا نخرج بقناعة تامة أن لكل نظام اقتصادي ايجابياته وسلبياته ويمكن للإجراءات والنشاط العام للشعوب أن يحددا النظرية العامة لأطر الاقتصاد الخاص بها. غير أن تطبيق النظام الرأسمالي في الاقتصاد لم يلاق النجاح في دول العالم الثالث والدول العربية ذلك أن هذه الدول تطبق هذه النظرية في الاقتصاد على علاتها دون الأخذ بنظر الاعتبار وضعها الخاص وظروف بلدها وشعبها
لذلك نجد أن هذه الدول مستهلكة أكثر من كونها منتجة وهذه مشكلة بحد ذاتها وتكون المشكلة اكبر وأعمق إذا ما أخذت شعوب تلك الدول بقدر كبير من الإنتاج الترفيهي والكمالي فهذا هو الإرهاق بعينه لاقتصاديات تلك الدول أضف إلى ذلك أن إنتاج تلك الدول لا يتمتع بسمعة طيبة من حيث الدقة والمتانة والجودة فيكون ذلك عاملاً آخر مؤثراً في الاقتصاد المتدني.
وأكثر ما يرهق المستهلك هنا هو نظام الجمارك الذي يزيد من أعباء الأسعار على المستهلك ورغم أن هذا النظام الجمركي يأخذ به كافة أنواع الأنظمة الاقتصادية (عدا النظام الاقتصادي الإسلامي) غير انه نظام مرفوض حتى تطور هذا الرفض ليصل إلى إلغائه حسب المفهوم العام للتجارة الحرة في الوقت الحاضر وهو تسليم بالنظرية الاقتصادية الإسلامية.
وهناك نظريات كثيرة تعالج الأزمات الاقتصادية غير أن الدول العربية والإسلامية تمتلك أفضل نظرية اقتصادية في العالم وهي النظام الاقتصادي الإسلامي الذي اختطه الرسول الأعظم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم والذي منع نظام شراء البضائع من خارج أسوار المدينة
ومن ثم تحميل أسعار عليها وبيعها في داخل المدينة وهو نظام كان شائعاً في تلك الفترة وهي شبيهة بنظام الجمارك في وقتنا الحالي، حيث عمل الرسول صلى الله عليه وسلم على إلغاء هذا النظام لأنه يثقل كاهل المستهلك ويعرقل انسيابية التجارة وتنقلها بين المدن لذلك فقد ازدهرت التجارة في فترة صدر الإسلام نتيجة لهذا المبدأ والمبادئ الأخرى التي تهتم بنوعية الإنتاج ودقته.
وكذلك ينظم التجارة وبكل الأحوال وبشكل مختصر ان النظام الاقتصادي الإسلامي يهتم بموضوع الإنتاج ونوعيته وانسيابية التجارة بشكل جدي وكبير ولا يقر ولا يعترف في شيء اسمه الكماليات أو الصناعات الترفيهية ذلك كونه نظاماً وضع من أجل خدمة الإنسان وتطويع الظروف كافة لمصلحته ومصلحة المجتمع بما يعود بالخير للجميع كافة وهذا الفكر الاستراتيجي لم نلق ما يقابله في الأنظمة الاقتصادية الأخرى رغم وجود بعض الايجابيات فيها.
ثم ان النظام الاقتصادي الإسلامي يركز على مسألة مهمة وهي أن الإنتاج يجب أن يكون أكثر من الاستهلاك. كما أن هناك أفكاراً أخرى بدأت الدول الغربية تأخذ بها وتنسبها إلى نفسها وليس إلى النظام الاقتصادي الإسلامي وهذا ليس بغريب علينا ولكن الغريب فعلاً هو أن الدول العربية والإسلامية
والتي هي أولى بالأخذ بالنظام الاقتصادي الإسلامي لا تأخذ به ولا بأفكاره عدا بعض الدول التي تأخذ بالشيء القليل منه وهذه سلبية كبيرة، بل ان هذه الدول أخذت بنظم اقتصادية لا تتطابق مع واقعها وواقع مجتمعها فاختلط عليها الأمر وأخذت تتخبط بين هذا النظام وذاك في حين أن علاج اقتصادها بين يديها وهي لا تريد الأخذ به.
ثم انه لا يمكن للدول العربية والإسلامية أن تأخذ بالنظام الاقتصادي الإسلامي ما لم تحقق شروطه وعناصره كاملة لكي تنجح في تطبيقه وأول هذه الشروط هو أن تكون شعوب هذه الدول منتجة وليست مستهلكة وليس هذا فحسب بل يجب أن يكون إنتاجهم ذا جودة عالية ومرغوب فيه وبعيداً عن الغش أو الركاكة في الإنتاج.
والأهم من ذلك أن من دلالة النظام الاقتصادي الإسلامي هو فتح السوق ورفع عقبات الرسوم والجمارك التي تعرقل العملية الاقتصادية ويجب عدم إرهاق التجارة بأمور خارج منظور نظرية النظام الاقتصادي الإسلامي.ومتى ما سلمنا بهذا النظام الاقتصادي النموذجي وحققنا شروطه سنجد دولنا في أحسن صورة اقتصادية من نمو وتطور مما ينعكس على واقع الدولة واستقرارها وأمنها ورقيها.
كلية القانون جامعة الشارقة
rashid.shabib@binshabib.ae