لكي نفهم حجم الانقلاب السياسي الذي حصل في فرنسا مؤخرا لا يكفي التعليق السياسي السريع وإنما ينبغي أن نذهب إلى أعماق الأشياء التي تختلج في أحشاء المجتمع الفرنسي. ومن أفضل من المثقفين لهدايتنا إلى ذلك؟ سوف أختار من بينهم اثنين من كبار منظري اليمين واليسار على حد سواء. الأول هو الكاتب الشهير جان دورميسون والثاني هو جان دانييل رئيس تحرير مجلة النوفيل اوبسرفاتور والمفكر المقرب من الحزب الاشتراكي وصاحب النفوذ الكبير في أوساط مثقفي اليسار عموما.

الأول هو الآن في قمة سعادته لأنه راهن على ساركوزي منذ البداية ولم يخب ظنه في نهاية المطاف. بل وكان قد دعا في مقالة طنانة رنانة إلى دعم ساركوزي وتوحيد صفوف اليمين الفرنسي كله وراءه. ووصل به الأمر إلى حد تحذير شيراك من مغبة عرقلة صعود ساركوزي كما ألمحت إلى ذلك في مقالة سابقة هنا في «البيان».

ومعلوم أن شيراك لا يحب ساركوزي على الإطلاق على الرغم من أنهما جاملا بعضهما البعض في الأيام الأخيرة بقدر الإمكان. أو قل ان شيراك وزوجته أصبحا يجاملانه بقدر المستطاع بعد أن عرفا بأنه سيكون الرئيس المقبل. والبعض يقول بأنه وعد بحماية شيراك بعد خروجه من قصر الاليزيه.

مهما يكن من أمر فان تحذيرات الكاتب الكبير جان دورميسون أعطت مفعولها فاجتمع اليمين الفرنسي كله خلف ساركوزي وأدى ذلك إلى النصر المبين في نهاية المطاف، ويرى هذا المفكر الارستقراطي الذي ينتمي إلى عائلة عريقة تعود في جذورها إلى عصر لويس الرابع عشر أن ساركوزي قد يكون أهم رئيس يميني تنتخبه فرنسا باستثناء الجنرال ديغول بالطبع. وانه قد يترك بصماته على السياسة الفرنسية وربما بقي في السلطة لعشر سنوات مقبلة.

فالرجل أذكى من شيراك بكثير وسوف يدهش الجميع ببراعته وألمعيته. يضاف إلى ذلك انه ذو إرادة حديدية وشخصية قوية ويعرف ما يريد بالضبط. كما انه سريع البديهة وخطيب من النادر ان يستطيع احد إفحامه أو التغلب عليه على شاشة التلفزيون. واكبر دليل على ذلك مناظرته الشهيرة مع طارق رمضان المعروف أيضا بألمعيته وقوة حجته وفصاحته وسيطرته الكاملة على اللغة الفرنسية.

ولا يشك أحد في انه كرئيس يميني سوف يكون أهم من شيراك بكثير لان شيراك يبهرك بمظهره الخارجي فقط وأما ما عدا ذلك فلا يوجد شيء كبير يذكر. انه يفعل عكس ما يقول أو يقول عكس ما يفعل على طول الخط تقريبا. ولذلك دعوه بالكذاب الأكبر في فرنسا.انه كاريكاتور السياسة كما صرح بذلك مؤخرا احد كبار فلاسفة فرنسا المعاصرين: مارسيل غوشيه الذي دخل سابقا في مناظرة عميقة مع محمد أركون عن العلمانية والدين..

أما ساركوزي فكثيرا ما ينفذ كل ما يقوله أو بعضه على الأقل. وبالتالي فهو أكثر مصداقية من شيراك بكثير وأكثر خطورة أيضا. ولا يتردد الفيلسوف دورميسون في تشبيه ساركوزي بنابليون بونابرت من حيث الجرأة الاقتحامية والقضاء على الخصوم الذين يعترضون طريقه.

وهكذا يتساقطون من حوله يمينا ويسارا حتى يكون قد وصل إلى قمة السلطة شاء من شاء وأبى من أبى. انه وحش سياسي بالمعنى الحرفي للكلمة. ولكن السيد دورميسون يرفض اتهامات اليسار لساركوزي بالتطرف الفاشي أو الميل إلى الاستفراد بالسلطة والاستبداد. نقول ذلك على الرغم من ان جمعيات حقوق الإنسان في فرنسا عبرت عن قلقها العميق من انتخابه.

وكذلك فعلت الجمعيات المضادة للعنصرية والمدافعة عن حقوق الجاليات المغتربة من عرب أو مسلمين أو أفارقة سود الخ..فهي تعرف انه يميني وانتخب بأصوات اليمين المتطرف الذي غازله بوضوح أثناء حملته الانتخابية. وبالتالي فهناك قلق في فرنسا الآن في أوساط الأجانب والمهاجرين الفقراء.

ومعلوم أن ساركوزي كان هو السبب في اشتعال الضواحي الإسلامية عام 2005 بسبب لهجته الاستفزازية والتحريضية ضدهم. ولكن البعض الأخر يقول بأنه سيغير موقفه بعد ان أصبح رئيسا للجمهورية. وهذا ما نرجوه وإلا فان الانفجار القادم سوف يكون اشد وأعظم بكثير.

أما جان دانييل فلا يتأسف إطلاقا لأنه أيد سيغولين رويال ابان المعركة الانتخابية. بل انه يرى فيها الأمل الباسم للمستقبل: مستقبل اليسار المفجوع وكل الحركة التقدمية الفرنسية. ولكنه يعترف بالميزات الشخصية والدهاء الماكر لزعيم فرنسا الجديد في الوقت الذي يخشى فيه من ارتباطه الوثيق بالأوساط المالية والمصرفية الفرنسية وكذلك المجموعات الإعلامية الكبرى وقوى الضغط التي ساهمت الى حد كبير في نجاحه وتغلبه على القمر المشرق: سيغولين رويال.

ثم يختتم جان دانييل كلامه قائلا: إن استراتيجية ساركوزي الخبيثة تهدف إلى تحويل المشاعر الوطنية الفرنسية المشروعة إلى نوع من الشوفينية المتعصبة ضد الآخرين: أي ضد العرب والسود والمسلمين والفقراء المهمشين عموما. وبالتالي فهو «بوش» فرنسا بدون شك.

ولذا ينبغي على اليسار الفرنسي ان يوحد قواه وبسرعة لمواجهته وإيقافه عند حده. نقول ذلك وخصوصا ان الانتخابات التشريعية أصبحت على الأبواب. ويا ليت ان اليسار يربحها لكي يجبر ساركوزي على حكومة التعايش ويشكل سلطة مضادة له وقادرة على ان تقف في وجهه إذا لزم الأمر.

ولكن يخشى ان يعطيه الشعب الفرنسي مجلس النواب بعد ان أعطاه الرئاسة. وعندئذ يصبح الحاكم بأمره في كل أنحاء فرنسا. على أي حال هذا ما ستجيب عنه الأيام أو الأسابيع القليلة المقبلة. وأخيرا نقول: على الرغم من ان منظمة العفو الدولية فرع فرنسا تخوفت من انتخابه إلا أنها رحبت بتلك العبارة التي وردت في خطابه بعد الانتخاب مباشرة.

وفيها يقول: كل أولئك الذين يؤمنون بقيم الحرية والديمقراطية والنزعة الإنسانية والذين يعانون من اضطهاد الطغيان والأنظمة الديكتاتورية بإمكانهم الاعتماد على فرنسا.

كاتب سوري - باريس