في فبراير الماضي انعقدت القمة الرابعة والعشرون بين فرنسا والبلدان الإفريقية في منتجع (كان) بجنوب فرنسا بإشراف الرئيس جاك شيراك الذي ينهي آخر أيام ولايتيه الرئاسيتين بعد 12 عاما من الحكم. وقد حرص الرئيس الفرنسي كل هذه الشهور الأخيرة على إعطاء قيادته أبعادا تاريخية وحضارية ينوي من ورائها البقاء خالدا في ذاكرة شعبه والعالم.
وبالطبع لا يمكن أن يصدر عن القمة قرار خطير لأن الحسابات لدى القادة الأفارقة المشاركين في القمة هي التريث والصبر للتعاطي الحقيقي مع ساركوزي خليفة شيراك في قصر الاليزيه، وهو سيكون أول رئيس للجمهورية الفرنسية من أصول مهاجرة لأن والده عامل قدم من المجر عام 1949 واستقر في فرنسا ولا تزال إلى اليوم عائلة ساركوزي بالأعمام والأخوال مستقرة في مدينة بوسكا بالمجر.
ولفرنسا على مدى قرنين علاقات ذات خصوصية وتميز مع القارة السمراء، جعلت باريس منذ عهد الجنرال ديجول عام 1958 تعالج ملفات إفريقيا من قصر الاليزيه لا من وزارة الخارجية، وقد عرفت الطبقة السياسية رجالا تعاقبوا على التعامل السري مع قضايا البلدان الإفريقية من مكاتبهم بالقصر لا من مقر الكي دورسيه
مثل الرجل الغامض الشهير بيار جويليه مساعد الرئيس ديجول للشؤون الإفريقية وكان هو العارف بدواخل القصور الرئاسية في أدغال إفريقيا والمؤثر الأول في استقرار أو اضطراب تلك الحكومات التي عادة ما تأتي نتيجة انقلابات عسكرية. ثم جاء الرئيس جيسكار وسلم الملفات للسيد فوركاد الذي أصبح يلقب بالسيد إفريقيا،
وفي عهده تمت أغلب التدخلات العسكرية المباشرة للقوات الفرنسية في عديد البلدان الإفريقية أشهرها في تشاد ضد التدخلات الليبية. وعندما استقر في الحكم الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران جاء بابنه كريستوف ميتران كماسك للملفات الإفريقية لكنه تورط في عمليات تجارية وعمولات حوكم من أجلها بعد رحيل والده في محاكم باريس،
ثم اختفى من الحياة السياسية بمثل ما ظهر. وعند تنصيب الرئيس شيراك حول المهمة الصعبة إلى ميشال روسان الذي تحمل منصب العلاقات الخارجية، ولكنه وقف أمام المحاكم من أجل قضايا تهم تمويل الأحزاب، مما حول الملف الإفريقي إلى دوفيلبان رئيس الحكومة الحالي والذي كان يشغل مسؤولية الأمين العام لرئاسة الجمهورية ثم وزارة الخارجية.
وعرف عن شيراك أن له علاقات صداقة مع عديد الرؤساء الأفارقة، وأنه لم يتردد في استعمال الضغوط القوية للدبلوماسية الفرنسية لإيصال كابيلا إلى رئاسة الكنغو وإيصال ابن الراحل أياديما إلى رئاسة توغو. ويسجل المراقبون أنه حين تعجز السياسة الفرنسية
فإن الجيش الفرنسي لا يتردد عن مساعدة أنظمة هشة كما وقع في جمهورية إفريقيا الوسطى وتشاد وساحل العاج والكاميرون. وكانت بعض المجتمعات المدنية الإفريقية ترفع صوتها بالاحتجاج في كثير من الأحداث منددة بما سمته التدخل الامبريالي الفرنسي وإعادة الروح للاستعمار المقنع.
واليوم تضاف معطيات جديدة للحضور الفرنسي في إفريقيا يتمثل في أمرين طارئين: الأول هو اكتساح الصين للقارة بصورة لافتة منذ عشرة أعوام إلى درجة أن الرئيس الصيني هو جين تاو قام بثلاث زيارات للقارة منذ توليه السلطة، وأصبحت الصين هي الشريك الأكبر للقارة السمراء في مجالات المبادلات التجارية والاقتراض الميسر
وبناء الجسور والطرقات والمصانع والمدن في عشرين بلداً إفريقياً، كما أن السودان يصدر 80% من نفطه إلى بكين. وبالطبع فإن الصين وهي المالكة لحق النقض في مجلس الأمن تقف دائما إلى جانب الشعوب الإفريقية حين يجري علاج الأزمات الإقليمية في منظمة الأمم المتحدة.
والأمر الثاني هو بداية الاهتمام القوي للولايات المتحدة بإفريقيا، حيث تقرر مؤخراً في واشنطن إنشاء قوة أميركية إفريقية مشتركة لمكافحة ما تسميه الإدارة الأميركية بالإرهاب. وتجد باريس نفسها في مأزق سياسي واقتصادي لأنها على وشك فقدان مناطق نفوذها التقليدية والعريقة في إفريقيا التي تهرب من التأثير الفرنسي والأوروبي بشكل مستمر وثابت، يذكر بهروب أميركا اللاتينية التدريجي من الهيمنة الأميركية خلال السنوات الثلاث الماضية.
alqadidi@hotmail.com