أجل.. إن اتفاقية نيفاشا تشكل عقبة عظمى أمام تشكيل طاقم حكم قومي يمثل كل الأحزاب الرئيسية والمنظمات الأخرى.
إذن: ما هو المخرج؟
قبل محاولة الإجابة عن هذا التساؤل الكبير علينا أولاً أن نستذكر أن هناك عقبة أخرى تتمثل في ظاهرة تشظي الأحزاب الرئيسية بما في ذلك حزب «المؤتمر الوطني» المشارك في صيغة الحكم الراهنة. فهناك ثلاثة تكوينات حزبية تحمل اسم «حزب الأمة» وأكثر من ثلاثة تكوينات تحمل اسم «الاتحاد الديمقراطي».
والحركة الإسلامية انشقت على نفسها بعد أن أقام د. الترابي «حزب المؤتمر الوطني الشعبي» كتشكيل سياسي مناوئ للمؤتمر الوطني الحاكم. وحتى الحزب الشيوعي ابتلي بخلاف أيديولوجي قد ينتهي إلى انشقاقه.
فمن يمثل ماذا في حالة حدوث اتفاق مبدئي على تشكيل حكومة قومية؟
إجراء انتخابات عامة يتنافس فيها الجميع هو بالطبع الوسيلة المثلى لتحديد الأوزان الحقيقية لكل حزب وكل منظمة.
لكن مرة أخرى ستظهر عقبة نيفاشا.
لقد وعد الرئيس عمر البشير مؤخراً بإجراء الانتخابات عند نهاية عام 2008 تطبيقاً لاتفاق نيفاشا. ولكن على أي أساس دستوري تجرى هذه الانتخابات؟ فوثيقة اتفاق نيفاشا تحكم الدستور الراهن بعد أن أصبحت جزءاً لا يتجزأ منه.
بالتالي يطرأ سؤال: هل تجرى الانتخابات البرلمانية على أساس النسب المئوية المحددة في اتفاق السلام؟
أي هل ستكون عضوية البرلمان المستقبلي موزعة على أساس نسبة 80% من المقاعد لطرفي اتفاق نيفاشا، كما تنص الاتفاقية، بحيث أنه لا يسمح لبقية الأحزاب والمنظمات بالتنافس في 20% فقط من جملة المقاعد البرلمانية؟
هذه ستكون متاهة. ومن المدهش حقاً أن موقف الأحزاب الرئيسية تجاه هذه المتاهة المستقبلية هو في أفضل الأحوال غامض، تماماً كغموض موقفها في اتفاق نيفاشا نفسه، فهي لا ترفض الاتفاقية ضربة لازب ولا تقبلها ضربة لازب.
إنهم يرفضون الاتفاقية من حيث أنها حكمت بإقصائهم عن السلطة، ويقبلونها من حيث أنهم يتحاشون اغتصاب «الحركة الشعبية» الجنوبية طمعاً في استقطابها إلى صف المعارضة ضد «المؤتمر الوطني»، اعتماداً على حسابات مرتبكة.
تأسيساً على هذا كله ليس متاحاً أمام قيادات الأحزاب الكبيرة سوى خيارين:
إما تشكيل جبهة موحدة للسعي إلى إلغاء اتفاق نيفاشا أو على الأقل إجراءات تعديلات جذرية على بنوده الأساسية. وهذا بالطبع سيقود الجبهة المقترحة إلى صدام مع القوى الدولية الراعية للاتفاق وتطبيقه.
وإما التريث إلى حين نهاية المرحلة الانتقالية المنصوص عليها في اتفاق نيفاشا. أي الانتظار لحين أن يقرر الجنوب مصيره النهائي من خلال استفتاء عام وفقاً لما ينص عليه اتفاق السلام.
وسواء قرر أهل الجنوب خيار الوحدة أو خيار الانفصال على طريق إنشاء دولة مستقلة في الجنوب فإنه حينئذٍ سوف يطرأ وضع جديد تماماً يتطلب مشروعاً دستورياً جديداً تماماً.