عرضت بعض شاشات التلفزة صوراً لبسطات السلاح المعروض للبيع، في شوارع غزة. البائعون شباب تحت العشرين ينادون بكل حرية على بضاعتهم المنوعة من رشاشات ومسدسات، ويحملون بأيديهم قنابل يدوية جديدة، يشرحون ميزاتها وأسعارها المغرية تماماً، كما لو أنهم يعملون على تسويق سلع استهلاكية عادية، الأسعار نار. أما في الضفة فهي، حسب آخر التقارير، تبلغ أضعافاً مضاعفة.

من جهة ثانية كشفت الشرطة في رام الله عن قيام أب فلسطيني ببيع طفلتيه القاصرتين (13 و15 سنة) بمبلغ 2700 دينار أردني، إلى شابين شقيقين، وتمّ زواجهما عرفياً! في الوقت ذاته تتواتر الأخبار عن تزايد جرائم القتل بغرض السرقة ورمي الجثث بعد التنفيذ! وكذلك جرائم الاختلاس غير المألوفة.

مشهد مفزع ومؤلم. سلوكيات خطيرة ومخيفة، تثير النقمة والغضب، بقدر ما تزيد من الإحباط ومن سوداوية الوضع. معروف أن الساحة الفلسطينية تعاني من شبه الاختناق الاقتصادي والمعيشي، الذي تسبب به الحصار الجائر المفروض عليها، منذ أكثر من سنة.

وفي ظل هكذا أحوال يمكن أن تنمو كل صنوف الشطط، الأمني والمسلكي. لكن للوضع الفلسطيني خصوصياته؛ وبالتالي ضوابطه المفترضة. التحديات المصيرية التي يواجهها، لا تسمح بمثل هذا التردّي والتدهور المريعين. وقوع مثل هذه الانحرافات، يؤشر إلى خلل خطير مدمّر. فهي لم تهبط فجأة من فراغ.

إنها تأتي في امتداد مخاض فلسطيني، حكمه انفلات أمني مديد وتمزق سياسي عميق. سياق ليس من المستغرب أن يؤدي إلى تفريخ مثل هذه الظواهر، الجديدة غير المألوفة في الساحة الفلسطينية والشديدة السلبية. لقد استبدت حسابات الصراع الداخلي الفلسطيني، بهذه الساحة، احتلت الأولوية في أجندات الأطراف. تركها تستفحل أدّى إلى تشققات واسعة، تسلّلت منها فيروسات الخلل الذي نشاهد ظواهره.

وحتى بعد اتفاق مكة وتأليف حكومة الوحدة الوطنية لا يزال التماسك المطلوب، مفقوداً. الصف الفلسطيني يعاني حتى اللحظة من التصدّع. أزمة وزارة الداخلية، لم يطوَ ملفها بعد. الوضع الأمني لم يتخلص من أدرانه. تفقيس الجماعات المسلحة، في غزة، لم يتوقف. بلبلة تسود في وضع مفخخ، تبدو بوصلته مضطربة إذا لم تكن مفقودة.

البيت الفلسطيني الداخلي، حاله لا يسرّ؛ والوضع السياسي ـ الحكومي تعذر عليه حتى الآن، الخروج من حالة التخبّط، التي يعيشها. وهي حالة ساهمت في ترسيخها، بل في تفاقمها، سياسة الإصرار، التي تقودها واشنطن، على عدم التعامل مع حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية؛ واستطراداً مواصلة الحصار الاقتصادي والمالي ضدها.

المرامي واضحة: زيادة تأزيم الساحة الفلسطينية ومفاقمة ظروفها ومشكلاتها. وثانياً تأمين الغطاء الإسرائيلي، كي تواصل عدوانها على البشر والحجر وكي لا تعود إلى طاولة التفاوض، الذي قد يلزمها بما لا تريد وترغب. الرفض الإسرائيلي والتخريب على أية محاولات وتوجهات سلمية مهنة قديمة تتقنها تل أبيب.

التغطية الأميركية، بصورة أو بأخرى، لمثل هذا التهرّب، أيضاً سلوك تقليدي معروف. في ضوء ذلك ولغاية حصول مستجدات تحمل على تغيير هذه المعادلة، على الوضع الفلسطيني الالتفات لمثل هذا الشطط المخيف الذي بدأ ينخر في جسمه. وهذا أضعف الإيمان؛ قبل أن يتمادى التآكل الداخلي ويؤدي المهمة التي تتمناها إسرائيل.