لو لم أكن أعرف صاحبة الحكاية التي سأرويها لقلت إنها ربما بالغت ولم تنقل الحقيقة كاملة، ولو لم تكن بين يديها مستندات تثبت صدق قولها لقلت إن في الأمر سوء فهم، لكن لا شيء من ذلك والحكاية صحيحة ومختصرة أكثر من الواقع.
بداية فإن السيرة الذاتية للمواطنة تقول إنها معلمة فاضلة مطلقة تعيش مع ابنتها الوحيدة وتعيلها في منطقة الجرف بعجمان في المنزل الجديد الذي انتقلت إليه قبل سنة وثلاثة أشهر، تخرج في الصباح إلى عملها وتوصل وحيدتها إلى مدرستها، تنهي دوامها وتذهب لإحضارها ليصلا المنزل الساعة الرابعة عصراً وعند الساعة العاشرة مساء تأويان إلى فراشهما في غرفة واحدة، أما نهاية الأسبوع فتقضيانها عند العائلة.
حياتها هادئة تسير بشكل هادئ وبسيط، لم يغير من إيقاعه سوى صدى فاتورة الماء والكهرباء التي تلقته في بداية الشهر الماضي وهالها الرقم الكبير الذي حملته (أكثر من 3000 درهم رسوم استهلاك الماء و75 درهماً استهلاك الكهرباء) وبعد التكرم عليها وخصم المبلغ طالبوها بدفع 1400 درهم، دفعتها بمساعدة الخيرين من الناس، انتهى الأمر؛ عدته المواطنة (شر وطاح).
و(حيث أن من يخف العفريت يظهر له) فقد بقيت المواطنة طوال أبريل الماضي تترقب الفاتورة وتنظر تحت بوابة البيت، فلعل المحصل ألقاها في وقت لم تكن فيه في البيت، حتى كان أول من أمس حينما فوجئت بانقطاع الكهرباء عن البيت، تساءلت لماذا وظنت أنه ربما كان بفعل آلات «الشيول» التي تعمل في المنطقة.
اتصلت بقسم الطوارئ فأخبروها أن الخدمة مقطوعة بسبب عدم الدفع، بسرعة سألت كم؟ جاءها الرد الذي كاد أن يقضي عليها (14000) أربعة عشر ألف درهم رسوم استهلاك المياه، وتكرموا عليها مرة أخرى وخفضوا المبلغ إلى (7000)، أما الكهرباء فقد بلغت رسومها (200). من غير أن تتفوه بحرف أغلقت الهاتف، وأمسكت برأسها غير مصدقة ما تسمعه.
ارتمت في أحضان أشقائها وشقيقاتها، وسارعوا لتقصي الأمر فتأكدوا من صدق الرقم الذي أبلغتهم به ولا حل لرد الكهرباء سوى الدفع الفوري، دفعوا واكتشفوا أن انقطاع الكهرباء في ذلك اليوم كان بفعل «الشيول»، وكان من المقرر قطعه بسبب الفاتورة في اليوم التالي.
ومع إصرار المواطنة على عدم اقتناعها بالمبلغ، وأنه مهما بلغت بها درجة إسرافها بالماء واستهتارها بهذه النعمة فإنها لن تصل إلى هذا الحد، وراحت المسكينة تتحدث عن وطنيتها وحبها بل تقديسها لكل ذرة من تراب هذه الأرض وتمسكها بتعاليم الدين وما تربت عليه من قيم وما تعلمه بالتالي لطالباتها وتأكيد حرصها على ترشيد استهلاك المياه حتى الزرع تسقيه (يوم وتتركه يوم) بل كيف هي وابنتها تسرفان في استهلاك المياه خاصة وأن المنطقة تتعرض للجفاف وقلة المياه مما يضطر الأهالي لجلب المياه بالتناكر ويتكلفون مئات الدراهم لتأمين حاجتهم من المياه؟
هنا وهناك أخبروها عن خطأ «سيستمي» والفاتورة ليست كذلك، حسناً إذن أعيدوا لي مبلغ 7000 درهم الذي تعده ثروة بالنسبة لها ـ كما تقول ـ لا ما يدخل الصندوق لا يخرج ـ هكذا أجابوها ـ والحل في استقطاع الرسوم الشهرية من المبلغ المودع لديهم حتى ينتهي، وأتساءل بأي ذنب تتحمل دفع أقساط شهرية اضطرت لاستدانتها بسبب مبلغ خطأ دخل صندوق الهيئة الاتحادية للمياه والكهرباء.
هذا إذا لم تفاجأ بفاتورة تحمل مبلغ 50 ألف درهم أصبح 20 ألفاً بعد الخصم فتقطع الكهرباء وتضطر من جديد لحمل الدجاجتين وبقايا خضروات وفواكه لتحفظها في ثلاجة الجيران كي لا تفسد.
يا جماعة إنها عملية معيبة في حق الحكومة.. ما يبدر من بعض الجهات بحق البسطاء من أهلنا، عيب ما يقاسيه البعض جراء أخطاء أو إهمال البعض والتسبب في مشكلات تزيد من أزمتهم في مصدر حيوي مهم.
ولعلها مناسبة للمطالبة بإخراج مكتب الهيئة في عجمان من العصر الحجري الذي يقبع فيه وتخليصه من أكوام الملفات الشبيهة بتلك التي نشاهدها في مشاهد الأرشيف في المسلسلات المصرية القديمة ومنح الفرص أمام الشباب المواطنين المتعلمين الذين يجيدون التعامل مع الحاسوب كي يخلصوا المراجعين من الموظفين الذين بالكاد يتحدثون العربية وآخرين طاعنين في السن لا علاقة لهم بالتقنيات الحديثة.
فواجهة المكتب جميلة تزينها موظفات مواطنات في غاية اللطف والذوق، ولكن ما خفي يشيب شعر الرأس، حالة نضعها أمام السلطات ونطالبها بقوة الحق والقانون الرد عليها وإعادة الطمأنينة إلى نفس المعلمة.
