أمران لا ثالث لهما يحطمان أي أمة، ويجعلان من السهل هزيمتها وقهرها واستباحة كل مقدساتها بسهولة بينما هي تقف عاجزة عن الفعل وأحياناً ردات الفعل، إنهما تحطيم الأسرة واستبدال نظامها التربوي والتعليمي.. ولقد جاء في خطاب اللورد «ماكولاي» أمام البرلمان البريطاني في 2 فبراير 1835م ما يلي: «جلت في الهند طولاً وعرضاً، ولم أر شحاذاً واحداً أو لصاً واحداً، هذه الثروة التي رأيتها في الهند، هذه القيم الأخلاقية العليا..

أناس من هذا النوع.. (هذا وغيره) جعلني أفكر في أننا لن نهزم هذا البلد إلا إذا حطمنا العمود الفقري لهذه الأمة، أي إذا حطمنا تراثها الروحي والثقافي، ولذلك أقترح أن نبدل نظامها التربوي القديم وثقافتها، لأنه إذا فكر الهنود أن كل أجنبي وإنجليزي هو الشيء الجيد والأفضل وبأنه أعظم مما عندهم، فإنهم سوف يفقدون احترامهم لأنفسهم وثقافتهم الوطنية، وسيصبحون أمة مقهورة بالفعل».

اليوم، نحن نقف في المنطقة والنقطة نفسها التي انطلق منها اللورد الإنجليزي «ماكولاي» ولكن من دون استعمار، من دون أدوات المستعمر العسكرية، ولكن بالذهنية نفسها، هناك عملية إضعاف للنظام التعليمي إما باستبداله تدريجياً بنظام أجنبي يجعلنا نشعر ونقتنع بأن كل ما هو إنجليزي وأميركي هو الأفضل والأنجح وهو الذي سينقذنا من وحش التخلف والبطالة ويفتح لنا كنوز سوق العمل والقطاع الخاص و...، وإما بتحويله إلى حقل تجارب وكلما جاء عهد ووزارة ألقت بما سبقها من أقرب نافذة وبدأت ترسم سياسة التربية والتعليم من نقطة الصفر!!

ولا يهم في كلتا الحالتين كم نخسر؟ وكم نفقد من جهود البناء والتنمية واستقرار منظومة المفاهيم لدى الأجيال، فالمهم لدى أصحاب التجارب الجديدة هو مقدار ما يحققون من نجاح على صعيد شخصي لا أكثر!!

لا أجد أن التعليم عندنا أفضل مما كان عليه في الثمانينات بل أزعم أنه في تلك السنوات أفضل حالاً، وأكثر تناغماً مع احتياجات المرحلة، ومع ثوابت المجتمع ومنطلقاته، والدليل هذه الأجيال المستنيرة والواعية التي خرجها ذلك النظام في تلك الحقبة، أما اليوم ومنذ سنوات مضت فنحن في حالة إرباك وارتباك شديدين وواضحين جداً في مجال التعليم تحديداً، تجارب لو أجربت على فئران المختبرات لضجت جمعيات الدفاع عن حقوق الحيوان، ومع ذلك وبرغم ثبوت فشل كل الطروحات التي جربت على تعليمنا خلال السنوات الأخيرة.

وبرغم النقد الصارخ، والرفض المجتمعي والآراء التي أدلى بها التربويون والكتاب والمهتمون، إلا أن مسيرة التجريب مستمرة على قدم وساق دون مساءلة حقيقية ومراجعة شاملة وجادة تضع كلاً أمام مسؤوليته ودوره فيما آل إليه نظامنا التعليمي.

المسألة ليست مدارس وأبنية انتهت مدة صلاحيتها فقط، أو مدارس خاصة تزيد رسومها بشكل غير منطقي، أو مدرس فقد هيبته، المسألة أكبر بكثير من ذلك، المسألة أن المدرسة لم تعد تقنع المجتمع بدورها، والنظام التعليمي لم يعد يعول عليه بعد كل ما تعرض ويتعرض له من اختراقات!

sultan@dmi.gov.ae