من نافلة القول التأكيد، مقدما ومسبقا، على العلاقات التاريخية بين فرنسا والعرب عامة وفلسطين على وجه الخصوص وهي علاقات موغلة في القدم بحكم الجوار الجغرافي والارتباط الديني بين فرنسا والاماكن المقدسة في فلسطين، والدور الذي قامت به فرنسا في عهد الاستعمار للمغرب العربي الكبير وسوريا ولبنان وهو دور انهاه الجنرال شارل ديغول بصورة مشرفة عندما وقع على وثيقة استقلال الجزائر عام 1961 واضعا بذلك السطر الاخير في صفحة لا يود احد ان يعود اليها ويفضل الجميع ان تؤول الى النسيان.
الرئيس المنتخب نيكولاس ساركوزي وهو يميني التوجه يخلف رئيسا يمينيا اخر هو جاك شيراك الذي لم تمنعه توجهاته اليمينية من ادراك الخطأ الذي وقعت فيه ادارة الرئيس الاميركي جورج بوش عندما قررت غزو العراق وظل على موقفه العقلاني حتى يومنا هذا ويأتي الرئيس ساركوزي للسلطة على خلفية برنامج يستهدف احياء الصداقة الفرنسية - الاميركية العريقة والتقليدية، وهذا برنامج يلقى الترحيب وليس عليه ادنى غبار، وهو يخص كليا سياسة فرنسا الخارجية، والسؤال المطروح من قبل المراقبين هو المدى الذي سيذهب اليه الرئيس الفرنسي المنتخب وهل سيصل به الامر بعيدا الى احد تقديم وحدات عسكرية للقوات متعددة الجنسيات في العراق مثلا في الوقت الذي يطالب فيه الكونغرس الاميركي الرئيس بوش بالموافقة على جدول زمني للبدء في سحب القوات الاميركية من المستنقع العراقي واعادتهم سالمين الى ارض وطنهم؟
هذه قضية ستتكشف ابعادها خلال الايام والاسابيع القادمة، اما المسألة التي تهم العرب بالدرجة الاولى فهي موقف ساركوزي من عملية السلام في الشرق الاوسط والصراع الاسرائيلي - الفلسطيني على وجه التحديد. لقد تبنت الادارات الفرنسية المتعاقبة سياسة متوازنة ازاء هذا الصراع تستند الى الحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني من جهة وتوفير الامن الشامل في المنطقة من الجهة الاخرى، ومع ان الرئيس الجديد لم يوضح موقفه من هذه القضية فان هناك محددات تنبع من المصالح الفرنسية وقرارات الشرعية الدولية يفترض ان تضع الخطوط العامة لسياسة العهد الفرنسي الجديد اذ انه لم يطرأ اي جديد على الاوضاع في الشرق الاوسط وما يزال الاحتلال الاسرائيلي والاستيطان يشكلان العقبة الكبرى امام التسوية السلمية والعادلة لهذا الصراع، وفي حين يرفع العرب غصن الزيتون مجددا من خلال مبادرة قمة بيروت 2002 التي جددتها قمة الرياض العام الحالي فان الحكومة الاسرائيلية لم تقم بأي تحركات لاحياء عملية السلام او التخفيف من الحصار والمعاناة المفروضين منذ ما يزيد عن العام على الشعب الفلسطيني بكل قطاعاته.
وتبقى قضية المهاجرين العرب والافارقة الى فرنسا مسألة فرنسية داخلية وان كان السلام الاجتماعي والاستقرار في ذلك البلد الصديق من الاولويات الحيوية واحد العوامل الايجابية في هذه القضية هو ان الرئيس ساركوزي نفسه هو ابن لاحد المهاجرين من هنغاريا وهو مؤشر على ان كافة الفرص كانت وستظل مفتوحة امام الاجيال الثانية والثالثة من المهاجرين وان ظروفهم المعيشية ستتحسن بما يفضي الى الهدوء والرضا في الاحياء الفقيرة من المدن الفرنسية التي يقطنها هؤلاء المهاجرون.
وسينظر الفلسطينيون والعرب الى فرنسا على انها القوة الاوروبية الكبرى ذات المواقف المتوازنة ازاء قضايا المنطقة والعالم ويتوقع الجميع ان تستمر هذه المواقف في عهد ساركوزي لان استمرارية السياسة الحكيمة التي ارسى دعائمها الجنرال ديغول من شأنه ترسيخ الصداقة العربية - الفرنسية اما الخروج عنها فلن يكون في مصلحة المنطقة او لفائدة فرنسا التي تعتبر من اللاعبين الكبار في الشرق الاوسط ولا يريد لها احد ان تلعب في الوقت الضائع.