لا تسير المدينة الفاضلة عشوائياً بل تخضع لنظام، وهذا النظام محكوم بمعايير الجودة، الشاملة خاصة ان الكثيرين يسمعون عنها ولا يفهمونها بدقة! إنها أسلوب تفكير، ومنهج عمل، وطريقة تحدد كيفية ادخال التطوير والتحسين المستمر على مسار الأداء العام، لأنها توجيه للسلوك، والتزام بالتغيير والتطوير والتحسين لتحقيق أعلى جودة وأفضل وضع تنافسي، ومن ثم فهي استراتيجية تهتم بتغيير بعض الاجراءات والسلوكيات الإدارية السائدة لتحل محلها ثقافة وسلوكيات الجودة، التي تبرز ملامح شخصية الإدارة ورؤيتها المستقبلية وتوجهاتها وقيمها الشخصية والتنظيمية.

ان تقدم حكومتنا الاتحادية مرهون بجودة التفكير الاستراتيجي على أساس من نظام الجودة. ومن الأسئلة التي تطرح نفسها في هذا السياق: كيف نفكر بطريقة استراتيجية؟ فالجواب يكمن في الأسئلة الثلاثة الرئيسية التالية وهي: من نحن؟ أين نحن الآن؟ أين نريد ان نكون؟

والاجابة على هذه الأسئلة ضرورية جداً من أجل التفكير الاستراتيجي، وبدونها لا يمكن ان نسير في طريق التقدم على أساس من الجودة الشاملة، على انه ينبغي التأكيد على ان الجودة الشاملة في المدينة الفاضلة ليست هدفاً محدداً بل انها هدف متغير يسعى إلى التحسين والتطوير المستمر، وتؤكد على التزام الجميع بمبادئ الجودة كما تؤكد على أهمية اندماج هذه الفلسفة مع بنية أية إدارة، وهي لا تعني الجودة التامة ولكنها تعني تحقيق أعلى جودة ممكنة وايجاد بيئة عمل يسعى فيها الجميع إلى تحسين الجودة.

وتركز الجودة الشاملة على ارضاء المستفيد (العملاء والإداريين ـ المجتمع ـ أولياء الأمور ـ وسائل الإعلام .. الخ). ومن خلال الاهتمام بالتخطيط الاستراتيجي، وتطوير العمل، وبناء شبكة معلومات، وتنمية الموارد البشرية، وتلبية احتياجات المجتمع لتحقيق تنمية متوازنة، وتقويم الأداء والفعالية التنظيمية.

والجودة الشاملة في المدينة الفاضلة تسعى إلى خدمة المجتمع من خلال العمل بروح الفريق، الاعتزاز بخدمة المجتمع، ورضا المستفيد وتجاوز توقعاته، وتقديم خدمات عالية الجودة.

وفي المدينة الفاضلة يعني برنامج الجودة الشاملة المساهمة في وضع السياسات العامة والاستراتيجيات وقواعد عمل تطبيق الجودة الشاملة في ضوء رؤية ورسالة وأهداف المؤسسة أو الدائرة الحكومية. وتتمثل الأهداف العامة لبرنامج الجودة الشاملة في تكوين ثقافة تنظيمية تشجع على المساهمة في تحسين ورفع مستوى الخدمات، والحدث والاقتراح على تبسيط الإجراءات بما يحقق أهداف الجودة الشاملة، ورفع كفاءة الأداء، مع وضع وتطوير برامج لقياس وتقويم الأداء.

وعلاوة على ذلك التحسين المستمر والمساهمة في رفع كفاءة الأداء من خلال إقامة دورات العمل والندوات واللقاءات والمؤتمرات في مجالات الجودة الشاملة، وتنمية معارف العاملين حول مفهوم وفلسفة الجودة الشاملة وتبصيرهم بأهمية تطبيق الجودة، والمقومات اللازمة لذلك، مع تنمية معارف ومهارات رؤساء وأعضاء فرق العمل ببرنامج الجودة الشاملة حول آليات تطبيق هذا البرنامج وتحسينه ولا شك أن أهم أوجه الاستفادة من تطبيق إدارة الجودة الشاملة في المدى المنظور أو البعيد تتمثل في أنها تساعد على تركيز الإدارة على مواكبة المتغيرات، وتؤدي إلى إنشاء أنظمة لتحقيق أداء جيد في جميع المجالات، كما تؤدي إلى تقييم الأداء وإزالة الجوانب غير الفعالة، وتقوم بتطوير معايير لقياس الأداء وتحسينه.

وفضلاً عن كل هذا فإن الجودة الشاملة في المدينة الفاضلة تؤدي إلى تطوير أسلوب العمل الجماعي، وتمكن من القيام بعمليات التدقيق والتقييم المستمر للأداء وتؤدي إلى تقليل الفاقد في الجهد والوقت والمال، ومن ثم تحسين الأداء وتخفيض التكاليف، وتساهم في الحفاظ على القيم الأخلاقية، ومواكبة المتغيرات العالمية الحديثة بما يتفق مع ثوابتنا العربية والإماراتية الأصيلة، وفي أي مؤسسة في المدينة الفاضلة يجب أن تكون هناك رؤية ورسالة، لأنها من العمليات الأساسية لأي مؤسسة أو دائرة حكومية والتي تعتبر من أساسيات قيام أي مؤسسة أو دائرة حكومية ناجحة.

والسؤال: ما هي الرؤية والرسالة وكيف نضعهما؟

ـ إن الرؤية هي المسار المستقبلي للمؤسسة الذي يحدد الوجهة التي ترغب في الوصول إليها، وهي موجهة للعاملين في الشركة، أما الرسالة فهي الإطار المميز للمؤسسة عن غيرها من المنظمات الأخرى ومن حيث نشاطها ومنتجاتها وعملائها وأسواقها والسبب الجوهري لوجود المؤسسة وهويتها ونوعيات عملياتها وأشكال ممارستها. وهي موجهة لفئات الجمهور المستهدف من قبل الشركة أو الدائرة. وتتمثل في كونها المبرر الرسمي لوجود المؤسسة، والركيزة التي تبنى عليها الغايات والأهداف، ويتم التعبير عن الرسالة بشكل كلي وليس بشكل تفصيلي.

إن تصميم رؤية المؤسسة أو الدائرة ورسالتها وأهدافها تبدأ بالتفكير الاستراتيجي في طبيعية الأعمال التي تود المؤسسة أن تعمل فيها، وتحديد إلى أين تود أن تتجه المؤسسة. وتكمن أهمية تصميم رؤية ورسالة للمؤسسة في أن المدير لا يستطيع تأدية دوره بفعالية ما لم يكن عنده تصور مستقبلي واضح عن المنشآت التي يقودها: ما هي الأمور التي يجب على المؤسسة فعلها. وما هي الأمور التي يجب على المؤسسة تجنبها. وما هو الاتجاه الذي يجب على المؤسسة أن تسير فيه.

إن الرؤية والرسالة ضروريتان للقيادة الاستراتيجية المؤثرة، لأن فيهما توجيه لعملية صنع القرار داخل المؤسسة، ويرفعان من درجة تقبّل أفراد المؤسسة للمهام الموكلة لهم. كما أن الرؤية والرسالة تهيئان المؤسسة للمستقبل، لأنه كيف يمكن لك أن تقود المؤسسة إذا كنت عاجزاً عن معرفة المكان الذي تريد أن تصل إليه، فليس واجب الإدارة أن ترى الموقع الحالي للمؤسسة فقط.

ولكن كيف يمكن أن تكون، ونظراً لأن الكثيرين يخلطون بين الرؤية والرسالة فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: الفرق بين الرؤية والرسالة؟ تهتم الرؤية بتحديد التوجه المستقبلي للمؤسسة، مثل تحديد: النوع أو «الشكل» الذي تريد المؤسسة أن تكون عليه في المستقبل، واحتياجات العملاء التي تسعى المؤسسة إلى إشباعها في المستقبل، أما الرسالة فتهتم بتحديد التوجه الحالي للمؤسسة، في الأعمال التي تؤديها في الوقت الحاضر. واحتياجات العملاء التي تعمل المؤسسة على إشباعها حالياً. والسمات المميزة للرؤية الإستراتيجية: هي التوجه المستقبلي والخصوصية أو التحديد.

وهناك ثلاثة عناصر للتعريف الجيد للرؤية الإستراتيجية للمؤسسة: هي احتياجات العملاء: ماهي الحاجة التي يراد إشباعها؟ ومجموعات العملاء: من هم العملاء الذين يراد إشباع حاجاتهم؟ والتقنية المستخدمة: كيف سيتم إشباع هذه الحاجات؟ وحتى يكون كلامي واضحاً للقارئ الكريم سوف أعطي مثلاً لصياغة الرؤية الإستراتيجية للرسالة، وهذا مثل عملي استقيته من رسالة وزارة الصحة في حكومتنا الاتحادية.

فرؤية هذه الوزارة تتلخص كما حددها ميثاقها الأخلاقي: تحقيق المستوى الأفضل من الصحة لجميع المواطنين والمقيمين على أرض دولة الإمارات العربية المتحدة ومثال آخر من إحدى شركات الوجبات السريعة العالمية وتتلخص في: السيطرة على سوق الوجبات السريعة على مستوى العالم: «إن تحقيق السيطرة العالمية يعني وضع معايير للأداء تحقق أقصى رضاء للعملاء وتعمل في ذات الوقت على زيادة حصتنا السوقية وأرباحنا».

ومن ثم فإن رؤية الوزارة أو المؤسسة تحدد إلى أين تود أن تتجه، ومعرفة المكان الذي تريد أن تصل إليه، فليس واجب الإدارة أن ترى الموقع الحالي للمؤسسة فقط، ولكن كيف يمكن أن تكون.

ولا وصول إلى أي هدف كبير من دون معايير للأداء تحقق أفضل نتيجة، وهذا ما نتطلع إليه في مؤسساتنا الحكومية الاتحادية، ولكن التطلع وحده لا يكفي بل لابد من تطبيق الجودة الشاملة حتى يمكن أن تصل يوماً ما إلى أن تكون مدن الإمارات على مشارف المدن الفاضلة. وللحديث بقية.

جامعة الإمارات