عزيزتي «البيان»... مازلت أذكر أول لقاء بيننا بعدما شاهدت إعلانات صدورك. وانت تستهلين اليوم عامك الـ 28 .

عشت لحظات من الترقب وأمني نفسي بأول عدد صدر في 10 مايو 1980، فخرجت إلى النور باللون البرتقالي الذي اعتدنا أن نراه في الصحافة الأميركية والأوروبية.

فعقدت العزم على أن أراسلك بعدما أشار عليّ أحد الأخوة الزملاء لأجرب حظي في صحيفة صدرت من دار الحي... فكان اللقاء الأول الذي ضمني بك عبر مقال أرسلته لصفحة (آراء الناس) حول مجلة المنتدى في سبتمبر 1980 وبفضل من الله ـ سبحانه وتعالى ـ وتشجيع الإخوان في تلك الفترة مثل الأستاذ سيف المري الذي يشغل حالياً مدير عام مؤسسة الصدى للصحافة والطباعة والنشر، والأستاذ ظاعن شاهين رئيس التحرير التنفيذي لـ «البيان»، والأستاذ خليل البري والأستاذ سامح غزال الذي هاجر للولايات المتحدة الأميركية، والمصور الفوتوغرافي المرحوم كربيس، والمرحوم مأمون عطية والمرحوم محمد نوراني.

تلك المجموعة كانت بالنسبة لي أول فصل من كتاب (مسيرتي مع البيان) وبقيت كجذور النخلة الشامخة التي مهما علت تظل واقفة بشموخها، وأصبحت هذه المجموعة لي مع الأيام ذكرى متجددة استشف منها ذكرياتي معهم.

عندما زرت «البيان» لأول مرة في يناير 1982 بعد حديث مع الأستاذ الفاضل خليل البري والمحرر سامح غزال وأتاحا لي الفرصة للكتابة بعد تخصيص صفحة للمدارس بالكتابة بزاوية (آراء مدرسية)، فكان المقال أسبوعياً ينشر كل ثلاثاء وكنت أرسله للصحيفة سواء باليد أو مع سائق الصحيفة الذي كان يأتي لمنزلنا بالشارقة ليأخذ المقال قبل أن تبدأ خدمة الإرسال بالفاكس.

وتطورت العلاقة لتعتبرني «البيان» مراسلة لها من المدارس وتخصص لي رسالة اعتبرتني فيها إحدى المحررات المتعاونات للتسهيل في إجراء تحقيقات مدرسية حول القضايا التربوية ومستجداتها في تلك الفترة.

فبادلتني «البيان» الحب بالحب وفتحت لي ذراعيها ولملمت موهبتي التي استمرت حتى الآن عبر صفحاتها وتنقلت ما بين صفحة آراء الناس إلى صفحة المدارس والجامعات إلى الصفحة الثقافية التي كان يشرف عليها الزميل وائل الجشي، وأتاح لي الفرصة لنشر أول قصة قصيرة بعنوان (فتاة البحر) وكانت البداية الحقيقية في كتابة القصة القصيرة مع توجيهاته لي بالمتابعة مما أعطاني الدافع للنشر بين فترة وأخرى في هذا المجال الأدبي الذي أتمنى أن أعود إليه الآن.

لا أخفيكم سراً فما أتاحته لي «البيان» من البروز الإعلامي في تلك الآونة هو الذي شجعني على دراسة الإعلام بعد تخرجي من ثانوية الزهراء بالشارقة عام 1983، فكان من الطبيعي أن انتقل في كتاباتي من نقل صورة ساحة المدرسة إلى نقل صورة أروقة الجامعة وحياة الطالبة الجامعية والمساقات والأنشطة الطلابية، فتم تغيير اسم الزاوية إلى ( آراء جامعية) ونشر أول مقال في سبتمبر 1983 بعنوان (قصة طالبة مع باص الجامعة)...

بعد هذه المسيرة باشر الزملاء في الصحيفة بإجراء أول حوار لي بعنوان (الموهبة الإعلامية الإماراتية والعمل في بلاط الصحافة)، فأصبحت المسؤولية الإعلامية التي حملتها على عاتقي تتطلب مني الكثير من البحث والتنقيب عن الحقائق والظواهر والتميز بالمصداقية وطرح الأمور بشفافية تامة دون مجامله أو خوف.

وساعدتني «البيان» وأفردت لي صفحات تحقيقات أجريتها أنا ومجموعة من طالبات الإعلام أمثال (شيخة الجابري ـ عائشة البوسميط ـ زينب النويس ـ فضيلة المعيني ـ ميثا الغانم ـ منى الذهب) وغيرهن ممن كانت لديهن اهتمامات صحفية حول الأنشطة والمعارض واللقاءات والندوات مع الأساتذة والطالبات مما أصقل الدراسة الإعلامية بطريقة عملية.

وبالرغم من انشغالي في الدراسة وجو الامتحانات ولكني حظيت بوقوف أساتذتي في القسم وأخذت الموافقة من إدارة الجامعة في إرسال المقالات أسبوعياً من فاكس الإدارة وما شجعني أكثر على الالتزام تجاوب القراء في الردود والتفاعل مع ما أطرحه مما اكسبها أهمية وصلت إلى حد المناقشات الموسعة بين شريحة كبيرة من أفراد المجتمع وليس طالبات الجامعة فقط.

قد يتساءل القارئ بعد دراستي للإعلام لماذا لم أعمل في بلاط الصحافة وآخذ فرصة بصورة عملية أكبر، أقول أنني بحكم زواجي وانتقالي لدبي كان من الطبيعي أن أقدم أوراقي بعد التخرج لـ «البيان» باعتباري بنتاً لها وسوف أجد الباب مفتوح على مصراعيه لي، ولكن شاءت الظروف أن أرزق بابنتي الكبرى ففضلت التفرغ لتربيتها في المنزل.

ولكن اعتقد أن هذا شكل منعطفاً جميلاً في حياتي لأبقى صديقة ومتعاونة مع الجميع دون الحد من التعامل مع وسيلة واحدة، وبقيت «البيان» الأم الحنون التي أرجع لها في يومياتي وعملي ولقاءاتي وزياراتي، لأشعر كلما دخلت بين جنبات مكاتبها وأروقتها بأنني وعبر مسيرة (27) عاماً تأصلت في هذا المبنى وتدرجت فيما بعد مع الزملاء الجدد الذين أكن لهم كل التقدير والاحترام لتتشكل زمالة إعلامية وصحافية في نقل أخبار عملي كمنسقة إعلامية في جمعية النهضة النسائية بدبي منذ أكتوبر 1991 وحتى الآن، لتأخذ العلاقة شكلاً رسمياً مغلفاً بالود والحب بيني وبين زملائي الإعلاميين والإعلاميات في «البيان».

بقي هاجس العودة للكتابة عبر زاوية أو عمود يراودني بين فترة وأخرى ويجعلني أخصص ملفاً مغلفاً بالحب يحوي على (أوراق وأقلام وأظرف بطابعها البريدي) لأرسله إلى من علمتني وساندتني وأصبحت مع الأيام أسيرتها وسجنتني كلماتها وحروفها وأبحث عنها أينما كنت، مما حدا بعصفورتي الطيران كل مساء عند وداع الشمس بمغيبها محملة باشتياق قلبي لتقليب صفحاتك البيضاء بشكلها الجديد لتعود لي صباحاً مع بدايات عودة الشمس وفي انتظار صدور عدد جديد.

ولكم من زملائي وزميلاتي في «البيان» كل التحية والتقدير وليعذرني من لم أذكره فالقائمة طويلة والوقت ضيق وجميعكم في قلبي وعقلي على مدى الأيام.

صحيفتي «البيان» تقبلي مني في عيدك أبسط كتاباتي ولأنه تحكمني سطور قليلة في صفحة خصصت للجميع لن أنسى أننا ذات نهار التقينا وسوف أخبرك دائماً وأقول (لا أعرف حتى الآن من يكتب عقلي أم قلبي أم قلمي).

كاتبة إماراتية