الأزمة اللبنانية تتوالى فصولها، منذ الصيف الماضي، بين التسخين والتبريد. بين الالتهاب والخمود. من حين إلى آخر تطل في افقها خيوط أمل بالحلحلة. تنشأ ظروف وتطورات تؤدي إلى تبدل في الأجواء.
تتعزز كفة الاحتمالات الواعدة. لكن بقدر ما هي بطيئة هذه العملية، بقدر ما هو سريع اختفاء أثرها. لحظة الاستبشار، باقتراب الخلاص. تلوح الإشارات ثم سرعان ما تتبخر؛ لتعود الأمور إلى الدوامة ذاتها. في اليومين الأخيرين دخل المشهد اللبناني في مناخات تبوح، في ظاهرها على الأقل، بإمكانية حصول تحول إيجابي، في مسار الأزمة. ومن هذه الزاوية، هي لاقت الترحيب؛ في لبنان كما في المنطقة.
أي تطور لبناني ينطوي على فتحة نحو الانفراج، من شأن ذلك ان يبعث على الارتياح ويستوجب الدعم. حتى ولو أن السوابق لا تحمل على التفاؤل. فكيف إذا كان فيه هذه المرة ما يبرر النظر إليه من زاوية مختلفة؟
التطور الجديد نوعي وغير مسبوق. وهنا تكمن أهميته ومدلولاته الإيجابية. وهو يتمثل باحتمال عودة الوزراء المستقيلين الخمسة المحسوبين على المعارضة، عن استقالتهم ولو جزئياً. أوساط الوزراء هؤلاء كشفت عن أن البحث يجري الآن في رجوعهم إلى مكاتبهم «لتصريف الأعمال». في هذه الحالة لا يسجل عليهم تراجع. خاصة وان رئيس الوزراء لم يقبل أصلاً تلك الاستقالات. وبالتالي فالباب مفتوح للعودة والمخرج متوفر.
طبعاً هي خطوة محدودة. وطبعاً يغلب عليها الطابع الإداري. لكن أبعادها السياسية، غير خافية؛ في ضوء الخلفية والمعطيات المعروفة. يزيد من إيجابيتها أنها تواكبت مع النظر في مطلب للهيئات الاقتصادية؛ بأن يتحقق نوع من إعلان لهدنة سياسية لمدة مئة يوم؛ من أجل حماية موسم الصيف. يضاف إلى ذلك ما تردد عن احتمال انعقاد جلسة لمجلس النواب في 25 الجاري؛ ولو من دون حضور الحكومة. وذلك حتى لا يقع مصير المجلس تحت نص مادة في الدستور تقضي باعتباره بحكم المنحل إذا انقضت فترة دورته العادية من دون أن يعقد جلسة واحدة ـ إلا في حال استثناءات محددة ـ .
على صعيد آخر قرر الرئيس اللبناني استئناف تسلم أوراق اعتماد السفراء الأجانب ـ العديد منهم في الانتظار منذ أشهر ـ كل هذه التطورات والمستجدات تتوالى تباعاً وبالتزامن الأمر الذي يسمح بربطها وإدراجها في خانة الانفتاح أو في خانة الخروج المحتمل، من حالة الانسداد.
لكن لا يخفى أن هذا الحراك يحصل مع اقتراب البلد من استحقاقات فاصلة. الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره الأخير يرسم صورة قاتمة ومقلقة عن الأزمة وما تختزنه من عوامل «تهدد بعودة البلد إلى أكثر أيامه السوداء»؛ على حد تعبيره. ترافق تقييمه هذا مع عودة إلى حرب المنابر بين الموالاة والمعارضة. وبذلك تبدو الساحة اللبنانية كأنها مشرعة الأبواب أمام احتمال التحسن، الذي عكسه الحراك النوعي؛ كما أمام احتمال العودة إلى التصعيد، الذي يشي به احتدام عملية التراشق المتجدد.
حتى اللحظة تبدو كفة الأول قابلة للرجحان علي الثاني. عودة الوزراء ـ ولو لتصريف الأعمال فقط ـ، إذا تحققت، تجعل الأمور تميل نحو التحسن. خاصة إذا كانت الخطوة الأولى على طريق إعادة ترميم الوضع الحكومي والانطلاق منه إلى باقي الملفات.