هل من الممكن قيام حكومة وحدة وطنية جديدة في السودان تضم ممثلين عن كل الأحزاب والمنظمات؟
اقتراح من هذا القبيل لابد أن يكون التوصية الرئيسية في تقرير «لجنة جمع الصف الوطني» التي تفرغت برئاسة المشير عبدالرحمن سوار الذهب لمدى خمسة أشهر لإجراء لقاءات مكثفة مع القيادات الحزبية المختلفة، وبينما لا نستطيع في هذه المرحلة المبكرة التنبؤ بما سيكون إليه مآل تقرير لجنة سوار الذهب إلا أن بوسع أي مراقب موضوعي أن يجزم مقدماً بأن أي تطور سياسي يقصد منه إحداث تغيير جوهري في صيغة الحكم الراهنة سيكون محكوماً باتفاق نيفاشا.
التقرير عرض على اجتماع غير عادي جمع الرئيس عمر البشير مع قادة الأحزاب الرئيسية: الصادق المهدي عن حزب الأمة القومي وأحمد الميرغني عن الحزب الاتحادي الديمقراطي ومحمد إبراهيم نقد عن الحزب الشيوعي ود. حسن الترابي عن حزب المؤتمر الوطني الشعبي، وعقب الاجتماع قال د. الترابي لوسائل الإعلام إن حزبه يطالب باستقالة نظام الحكم الراهن وحل البرلمان القومي كتمهيد لقيام صيغة نظام ائتلافي وطني تشارك فيه جميع الأحزاب على أساس الوزن السياسي لكل منها وأن يكون هذا الوضع انتقالياً لينتهي إلى انتخابات عامة حرة ونزيهة.
قد يبدو هذا الاقتراح وجيهاً كأفضل مخرج للأزمة السياسية بين الحكم والمعارضة، لكنه من الناحية العملية سيصطدم حتماً مع البنود الأساسية لاتفاق نيفاشا للسلام المبرم بين الحكومة و«الحركة الشعبية» الجنوبية، وكما هو معلوم فإن صيغة الحكم الراهنة هي شراكة سلطوية بين حزب «المؤتمر الوطني» و«الحركة» الجنوبية.
وهي صيغة محكومة بنسب مئوية معينة منصوص عليها بوضوح في وثيقة الاتفاق. وبناء على هذه النسب فإن المؤتمر الوطني و«الحركة» وحدهما يستأثران بنسبة 80% في تشكيل مجلس الوزراء وعضوية البرلمان القومي: 52% للمؤتمر و28% للحركة.
والسؤال إذن هو: كيف يمكن إقامة نظام حكم جديد تشارك فيه الأحزاب كافة «وفقاً لأوزانها السياسية» دون إحداث تغيير في نسب نيفاشا؟
إن تغييراً كهذا لا بد أن يكون على حساب كل من المؤتمر الوطني والحركة الجنوبية.. فهل يوافقان؟ وهل توافق الأطراف الخارجية ـ الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وغيرهما ـ التي رعت المفاوضات التي أفرزت اتفاق نيفاشا وترعى الآن عملية تطبيق الاتفاق؟
ثم إن هناك المنظمات الدارفورية المسلحة المشاركة وغير المشاركة في اتفاق أبوجا: كيف يمكن استيعابها جميعاً في تشكيل وزاري مركزي وبرلمان قومي دون تغيير نسب نيفاشا؟
لقد سبق أن قال رئيس الحركة الجنوبية سيلفا كير إن الحركة ترفض أي تخفيض للنسبة المئوية المخصصة لها بموجب اتفاق نيفاشا. وحجة زعيم الحركة الجنوبية هي أن نيفاشا اتفاق بين الشمال والجنوب.
وبالتالي فإن منظمات دارفور وأحزاب المعارضة الرئيسية ينبغي أن يكون تمثيلها خصماً على المؤتمر الوطني باعتبار أنه الطرف الذي يمثل الشمال كله في الاتفاقية، لكنها حجة لا تفلح إلا في كشف الخلل الهيكلي الذي بنيت عليه مفاوضات نيفاشا. فلا المؤتمر الوطني يمثل الشمال (لأنه حزب أقلية) ولا «الحركة الشعبية» تمثل الجنوب (لأنها تتكون من قبيلة جنوبية واحدة).