حال الأمة العربية يستدعي مشروعاً عربياً شاملاً لاستعادة الوعي، لطرح الأسئلة الشائكة على الواقع السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي، لاستنطاق هذا الواقع، لمعرفة أسباب السبات وهذا الغطيط الذي أغرى بالتوغل في جغرافيتنا حداً فاق الاستباحة إلى استحلال الدم والتاريخ والإرادة، حالة الأمة ـ كل الأمة ـ يستدعي أسئلة المساءلة لا أسئلة الترف الذهني الذي عادة ما يمارسه المنتهون من بناء القوى والإرادات القومية من أبناء الحضارات المستقرة أو تلك التي أنهت مشاريع نهضتها وقوت دعائم قوتها في الداخل قبل الخارج!
وحين يجتمع مثقفو الأمة ومفكروها، وأهل الحرص والاهتمام تحت عناوين كبيرة جداً، فإن أول ما يخطر على البال هو السؤال حول هذا الحرص وهذا التبصر الذي يحمله هؤلاء إلى أين يمضي وما هي احتمالات استمراره في الأجيال القادمة؟ وبما أننا أمة مبتلاة بتاريخها ومصابة في الجغرافيا حد النزيف اليومي، فهل نحن معنيون فعلاً بتوريث هذا الحرص لأجيال الغد؟
هل نعمل حقاً على مشروع زرع الوعي بحالتنا العربية لدى أبنائنا كما يفعل أعداؤنا ليل نهار؟ لا نتحدث هنا عن عسكرة الأمة ولا تسليح المجتمع، كما يفعل العدو التقليدي للأمة، ولكن هل نتحدث كأضعف الإيمان عن مناهج وتعليم وتربية وإعلام يظل وإن في ظاهره حاملاً جذوة هذه الرغبة العربية في أن يظل وعينا بحقنا في النهوض، حقنا في الحياة الكريمة، حقنا في دول قائمة على أسس مؤسساتية سليمة، حقنا في أنظمة سياسية خالية من الفساد والتسليم للخارج بكل شيء.
حين أحضر هذه المؤتمرات التي يقال فيها الكثير من الحديث وتطرح فيها العديد من الآراء والتوجهات العميقة المبنية على الأرقام والإحصاءات والدراسات التحليلية والمقارنة، يكون بودي لو أعرف مدى توفر الإرادة السياسية الصادقة لدى صنّاع القرار في دولنا العربية في تبني مثل هذه المرئيات العميقة والطروحات التي تحمل مفاتيح لمخارج كثيرة ضمن اختناقنا الحضاري المزمن.
ويكون بودي لو أعرف مدى اتفاق النظام العربي الرسمي بنخبه الحاكمة مع أصحاب الرأي والمهتمين في الأهداف والمشاريع المطروحة للخروج من النفق المظلم، هل نحن متفقون أم مختلفون.. وإلى أي مدى؟
لا نتحدث عن اتفاقنا واختلافنا مع الخارج، مع التحالفات والقوى الخارجية التي يحكم اختلافنا واتفاقنا معهم سلسلة ومنظومة مصالح نعرفها تماماً، لكننا نتحدث عن أنظمتنا أو كما يقول العرب عن بني جلدتنا، الذين نعتقد بأنهم معنا في التقارب العربي المليء بالثقوب والاختراقات، هل لديهم ذات الرغبة في استعادة الوعي العربي ضمن هذا المشهد المتهالك والمتناقض والسائر نحو المجهول بلا أي مشروع أو رؤية واضحة؟
لأي مستقبل عربي نعد هذه الملايين من الشباب والأطفال يا ترى؟ لمستقبل يكونون فيه جزءاً مهماً وواضح الملامح والحقوق من هذا العالم، أم لمستقبل لا يكون لهم فيه أي مطالب لأنهم سلموا كل أسلحتهم وأدواتهم واستغنوا عن الدفاع عن حقوقهم الراسخة في الحياة والنهوض والأمل والعمل و.... بالجلوس على المقاهي وتوقيع الاتفاقيات والعقود؟