بدا العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني الذي تعيش مملكته بين احتلالين شرقاً وغرباً «العراق وفلسطين» الأكثر إحساساً بحراجة الوضع في المنطقة. فهو من جهة لا يلمس نشاطاً عربياً قوياً لتسويق مبادرة السلام العربية ولا يجد تجاوباً إسرائيلياً معها.. ولذلك ينشط الملك عبدالله الثاني في الآونة الأخيرة من أجل إبقاء هذه المبادرة على قيد الحياة باعتبارها الفرصة الأخيرة المتبقية لإطلاق عملية تفاوضية تؤدي إلى تسوية سلمية في المنطقة.

كان العاهل الأردني قد طرق أبواب الشرق والغرب وألقى خطاباً تاريخياً أمام الكونغرس في إطار جهوده للتحذير من أن الوقت ينفد وأن فرصة السلام إذا لم تتحقق هذا العام فإن الوقت سيكون متأخراً لإعادة إطلاقها لاحقاً وربما يستغرق ذلك عقوداً. وبعد قمة الرياض اجتهد العاهل الأردني منفرداً لدعم المبادرة العربية على النطاق الدولي ثم وجه نشاطه نحو المجتمع الإسرائيلي لإحداث اختراق يؤدي إلى خلق رأي عام إسرائيلي ضاغط من أجل تبني مبادرة السلام العربية وبدء مفاوضات على أساسها.

كان الأميركيون مقتنعين بأفكار العاهل الأردني لكن جولة كوندوليزا رايس الأخيرة لم تنجح في إقناع إيهود أولمرت بضرورة التعاطي بجدية مع المبادرة، حيث بدأ الإسرائيليون يتعاملون مع مبادرة السلام العربية بطريقة انتقائية أي أرادوا اللقاء مع أطراف عربية لا تقيم علاقات مع إسرائيل لبحث المبادرة.. وجاءت فكرة عقد قمة عشرية أي 4+ 4+ 2تضم اللجنة الرباعية الدولية واللجنة الرباعية العربية ثم فلسطين وإسرائيل.

وهذه فكرة رفضها الأردن والسعودية لأنها عملياً هروب إلى المستقبل ومكافأة مجانية لإسرائيل دون أن تقدم شيئاً ودون أن تتخذ أية إجراءات لفك الحصار عن الفلسطينيين ودون أن توقف أنشطتها العدوانية والاستيطانية وبناء الجدار. وكانت القمة كلفت لجنة وزارية عربية بالترويج للمبادرة وإجراء اتصالات مع إسرائيل وكلفت الأردن ومصر اللتين تقيمان علاقات مع إسرائيل بهذه المهمة لكن إسرائيل لم تبد تجاوباً لأنها تريد مخاطبة دول عربية لا تقيم علاقات معها مثل السعودية .

وهذا ما يرفضه السعوديون حالياً. إلا أن الملك ربما رأى أن هناك تقصيراً عربياً في الترويج للمبادرة دولياً لأن هذا الأمر كان يجب أن يتم عبر لجنة من الزعماء العرب وليس عبر لجنة وزارية. ولذلك سعى شخصياً إلى ذلك واستقبل وفوداً أميركية وإسرائيلية وفلسطينية لتبادل الأفكار وشرح المبادرة لأنه ما زال مؤمناً بأن انتهاز فرصة السلام خلال هذا العام ممكن إذا ما استقر الوضع السياسي في إسرائيل وكذلك على الساحة الفلسطينية رغم إدراك الملك أن هناك تياراً في واشنطن يعارض التركيز على القضية الفلسطينية ويفضل التركيز على العراق..

ويحاول الإيهام بأن لا علاقة بالتوترات القائمة في المنطقة بالقضية الفلسطينية.. وكذلك هناك تيار إسرائيلي يرفض المبادرة ولم يطلع عليها وفهم منها أنها تتضمن حق العودة للفلسطينيين فقط.. وهذا يعني تدمير إسرائيل.. فيما فهم البعض من الفلسطينيين المبادرة ربما دون قراءة لها أنها اعتراف مجاني بإسرائيل وتفريط بحق العودة، فحركة حماس مثلاً لم تعترف تحديداً بالمبادرة العربية وإنما وافقت في النهاية في اتفاق مكة على الاعتراف بقرارات القمة العربية ذلك أن حماس لا تملك برنامجاً سياسياً باتجاه التسوية باستثناء طرحها هدنة لمدة عشر سنوات مقابل إقامة دولة فلسطينية.

لأنها كحركة سياسية عقائدية غير معنية بالعمل الدبلوماسي والكر والفر سياسياً ولا تستطيع الانقلاب على عقيدتها التي لا تعترف بإسرائيل أو التنازل عن أي شبر من فلسطين باعتبارها وقفاً إسلامياً لا يجوز التصرف به. وقد قيل ان دعوة وفود فلسطينية إلى القصر الملكي للقاء الملك هي محاولة أردنية لاستعادة الدور الأردني فلسطينياً .

ولكن مثل هذا القول يتناقض مع الواقع، فالأردن في غنى عن مشكلات جديدة ولا أهداف لديه سوى إقامة دولة فلسطينية مستقلة قابلة للحياة يمكنها لاحقاً أن تدخل في مفاوضات اتحادية مع الأردن وهو ما اتفق عليه سابقاً بين العاهل الأردني الراحل الملك حسين والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات ولا يمكن لأي عاقل أن يصدق أن ثمة أطماعاً أردنية لحصد المزيد من المشكلات بتولي أية مسؤولية مباشرة في الشأن الفلسطيني كالوصاية أو الضم.

لكن للأردن مصالحه الوطنية في قضايا الحل النهائي سواء بالنسبة للقدس الشريف أو قضية اللاجئين ولهذا نظر الأردن بارتياب ثم برفض لخطة شارون الأحادية بالانسحاب من غزة وكان مقرراً أن تكون مرحلتها الثانية في الضفة أي ما تبناه أولمرت لاحقاً وسماه خطة الانطواء وترسيم الحدود من جانب واحد.

لأن جوهر الانسحابات الإسرائيلية من جانب واحد هو تصدير المشكلة الفلسطينية إلى دول الجوار ـ أي غزة إلى مصر والضفة الغربية إلى الأردن. وليس للأردن أية مصلحة في ضم سكان الضفة الغربية أو تولي شؤونهم هذا إذا علمنا أن إسرائيل ستبقي من أراضي الضفة نسبة 44 في المئة فقط. هذه المخاوف الأردنية هي التي تدفع باتجاه الحل العادل المؤدي إلى قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، وعبارة قابلة للحياة تعني تواصلاً جغرافياً بين أنحاء الضفة ثم بين الضفة وغزة وأراضي غير منقوصة.

وقد كنت في نهاية الأسبوع الماضي ضمن وفد ضم أكاديميين ووزراء فلسطينيين سابقين ورجال أعمال التقاهم العاهل الأردني في قصره في عمان حيث شرح مدى خطورة الوضع في المنطقة وضرورة إقناع الجمهور الإسرائيلي بصدقية المبادرة العربية كأساس لإطلاق عملية السلام. لأن رأي الناخب الإسرائيلي مهم في مسألة تبني القيادات الإسرائيلية لهذه المبادرة أم لا..

واقترحت من بين الاقتراحات التي طرحت أن تتم ترجمة المبادرة العربية إلى العبرية لأن أطراف مبادرة جنيف من فلسطينيين وإسرائيليين حشدوا لها دعماً بشرحها للفلسطينيين والإسرائيليين عن طريق طباعة ملايين المنشورات بالعربية والعبرية وعقد ندوات ولقاءات للترويج لها.. وهي على أية حال لا تتعارض مع مبادرة السلام العربية بل تشكل تفاصيل يمكن الاستفادة منها في أية مفاوضات مقبلة.

وهي عملياً امتداد لتفاهم محمود عباس ـ يوسي بيلين قبل الانتفاضة. وقد فهمت من محيا الملك أن لديه قلقاً مضاعفاً من حيث احتمال وقوع مفاجآت الصيف على الحدود اللبنانية مجدداً أو في مناطق أخرى.. ولعل التهدئة على الجبهة الفلسطينية يمكنها أن تنقل العدوى إلى جبهات أخرى.. إذ إنني لمست في حديث وحركة وإيماءات الملك شيئاً كنا نلمسه في والده الراحل، حيث تمتع ببعد نظر وقدرة على استقراء المستقبل وكأنه يرى ما لا نراه.

وفي نفس الوقت اتخاذ زمام المبادرة لتقليل الأخطار المحدقة أن لم يكن بالإمكان منعها. مبادرة السلام العربية هي اليد العربية الممدودة بغصن الزيتون نحو الإسرائيليين فإن رفضت خلال هذا الصيف فقد يكون من بعدها الطوفان.. ولهذا عندما نقرأ المبادرة نجدها تعرض الجزرة ولا تلوح بالعصا.. فهل ثمة حاجة إلى قمة عربية للتلويح بالعصا في حال رفض إسرائيل لهذه المبادرة؟ وهل هناك عصا عربية أصلاً؟

رئيس تحرير «الحياة الجديدة» فلسطين