الشد والجذب اللذان نشهدهما بين عسكر تركيا وبين رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان حول ترشيح حزبه لعبدالله غول لمنصب الرئاسة إنما يكشفان عن هشاشة النظام الديمقراطي ليس في تركيا وحدها بل وفي جميع الدول التي تشاطرها سماتها البنيوية ونقصد بها دول العالم الثالث.

فإصرار العسكر في تركيا على أنهم حماة للنظام العلماني ما هو إلا حجة لاستمرار نفوذهم وهيمنتهم على المشهد السياسي. ومثل هذا التدخل لا يستقيم مع وضع العسكر في النظم الديمقراطية، حيث تنصاع المؤسسات العسكرية إلى المؤسسات المدنية المنتخبة وتأتمر بأمرها.

وبغض النظر عن حجة العسكر في تركيا تبقى العلمانية شرطاً مهماً لتحقيق ديمقراطية سليمة ولتطبيق العدالة والمساواة بين المواطنين بالذات في تلك المجتمعات التي يتباين أفرادها في انتماءاتهم الدينية والمذهبية والعرقية وربما القومية. خذوا مثلاً دولة كنيجيريا التي شهدت انتخابات للتو، فسكانها المئة والأربعون مليوناً ينتمون إلى 250 جماعة عرقية وينقسمون بالتساوي تقريباً بين ديانتين هما الإسلام والمسيحية. فكيف يمكن لنظام غير النظام العلماني أن يحقق الوحدة الوطنية والمساواة بين أفراد الشعب في ظل هذه التقسيمة؟؟

وأغلب الظن أن العسكر في تركيا إنما يترددون في الوثوب على السلطة إدراكاً منهم لرفض المجتمع الدولي لهذه الممارسة بالذات دول الاتحاد الأوروبي التي سارعت بالتحذير من هذا المسلك. وتركيا كما هو معروف تسعى منذ أربعة عقود إلى الانضمام إلى ذلك الاتحاد. ويستخدم كلا طرفي الصراع الضغط الخارجي لصالحه.

فالعلمانيون وعلى رأسهم العسكر أرادوا من دخول الاتحاد الأوروبي «علمنة المجتمع التركي قلباً وقالباً» وإلحاقه بالمجتمعات الأوروبية المتطورة. أما إسلاميو تركيا فإنهم يستخدمون ضغط الاتحاد ـ «العامل الخارجي» ـ لإدخال إصلاحات ديمقراطية تؤهل تركيا للدخول إلى ذلك الاتحاد.

ودور «العامل الخارجي» في إقامة النظم الديمقراطية دور متباين كما تبين الشواهد التاريخية. فانتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية كان السبب المباشر لتحول اليابان وألمانيا وإيطاليا إلى الديمقراطية. وقد تعزز ذلك النظام في ظل الصراع بين المعسكر الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية (التي كانت ترفع شعار الحرية والديمقراطية) وبين المعسكر الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفييتي (الذي كان يعتبر الديمقراطية الغربية نظاماً يضفي الشرعية على سلطة أصحاب رؤوس الأموال).

وفي هذا السياق أيضاً لعب «العامل الخارجي» دوراً ايجابياً في تثبيت كثير من النظم الديمقراطية لعل أبرزها تلك التي قامت في أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. فهذه الأنظمة سرعان ما تحولت إلى نظم ديمقراطية أساسها انتخاب الهيئات التشريعية والحريات المدنية الأخرى، إلا إنها بقت بعيدة عن روح الديمقراطية وشاب تجربتها الكثير من التجاوزات. بيد أن رغبة تلك الأنظمة (بولندا، الشيك وسلوفاكيا، والمجر، ورومانيا وبلغاريا وكرواتيا ودول البلطيق) في دخول الاتحاد الأوروبي، وفرض ذلك الاتحاد لشروطه في القبول، قد قوى من الأساس الذي ترتكز عليه الديمقراطية في تلك النظم الحديثة العهد بها.

إن «العامل الخارجي» قد لا يفلح في «زرع» الديمقراطية في أرض غير مهيأة لها، خاصة إذا صاحب ذلك تدخل سافر أو غزو أو ما شابه، ولعل مثالي أفغانستان والعراق مثالان واضحان. فمن يعتقد أن ثمة ديمقراطية بالمقاييس المتعارف عليها قائمة في هاتين الدولتين، ثم هل تستطيع ديمقراطيتهما أن تقفا على أرجلها بعد رحيل القوات الأجنبية؟

ويبدو أن تطور الإنسانية قد ترك وراءه تدخلاً من نوع آخر ونقصد به التدخل الخارجي لوأد الديمقراطية. وقد ساد هذا الشكل من التدخل على وجه الخصوص في أميركا اللاتينية في ستينات وسبعينات القرن الماضي، حيث كانت الولايات المتحدة تدعم الانقلابات العسكرية على حكومات جاءت بانتخابات كما جرى في شيلي في العام 1973. أو كتدخل الاتحاد السوفييتي في المجر في 1956 وفي تشكوسلوفاكيا في العام 1968.

وفيما يصر عسكر تركيا على دور مركزي في الحكم، سلم عسكر موريتانيا الحكم لرئيس مدني جاء إلى السلطة في انتخابات حرة. وموريتانيا عريقة بانقلاباتها العسكرية التي بلغت منذ استقلالها في العام 1960 حوالي أربعة عشر انقلاباً. وما فعله القادة العسكريون في موريتانيا ليس السابقة الأولى، إذ سلم العسكري سوار الذهب في السودان السلطة للمدنيين. وما زالت تجربة انتقال السلطة بسلاسة وسلام من العسكريين إلى المدنيين غضة للحكم عليها والخروج باستنتاج، إذ تشير حالة السودان إلى عودة العسكر مرة أخرى إلى السلطة.

والانتخابات تجري الآن في جميع دول العالم الثالث تقريباً، لتختزل الديمقراطية وتعني الممارسة الانتخابية فقط، بل لقد أصبحت الانتخابات «موضة النظام العالمي الجديد»!! وهذا المفهوم بعيد عن جوهر الديمقراطية وأهدافها التي هي في الأساس تداول حر للسلطة ومساواة بين المواطنين وحريات فكرية ودينية يتمتع بها أفراد الشعب.

وهي فوق هذا وذاك أسلوب للحياة متجذر في المناهج المدرسية وفي الحياة اليومية لأفراد المجتمع وتعاملهم بعضهم مع بعض. وليت تلك الانتخابات تجرى بصورة سليمة، فهي تشهد عادة ـ كما أشارت اللجنة الدولية التي أشرفت على الانتخابات التي جرت مؤخراً في نيجيريا ـ تدخلات سافرة من القائمين على السلطة، وتشوبها عيوب كثيرة بحيث تصبح «تزويراً» لإرادة الأمة بدلاً من أن تكون «تمثيلاً» لإرادته.

عوامل كثيرة تقف وراء «الديمقراطيات العرجاء» التي تسود العالم الثالث لعل أحدها هو نظم التعليم القائمة في هذه البلدان. في تقرير حديث عن نظم التعليم في بعض الدول العربية أعده المكتب الإقليمي لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP أشار إلى أن طرق التدريس في الصفوف المدرسية الأولى تعزز الطاعة العمياء والخضوع وتزعزع أركان الإبداع والتفكير النقدي. وبالتالي، فالتقرير ينادي بتعليم الناشئة التفكير الحر والحوار بطريقة علمية.

ولعل عاملاً آخر من عوامل ضعف الديمقراطية في مجتمعاتنا المنتمية إلى العالم الثالث هو ضعف المجتمع المدني بمؤسساته الطوعية التي تغطي جميع مجالات الحياة والتي ينشط فيها المهتمون كل في مجال تخصصه. فقوة المجتمع المدني في الديمقراطيات العريقة كانت سبباً رئيسياً في تعمق الديمقراطية وتجذرها: نظاماً للحكم وأسلوباً للحياة. وقد جاءت الديمقراطية في تلك المجتمعات المتطورة كنتيجة طبيعية لزيادة الوعي التراكمي الذي شكل أساساً أخلاقياً وأيديولوجياً للمطالبة بالمشاركة الشعبية وتوسيع أطرها بمرور الزمن.

إذن، طريق مجتمعات العالم الثالث نحو ديمقراطية حقة طريق طويلة أبرز معالمها تطوير التعليم بحيث يواكب ما هو جار في العالم المتقدم مضموناً وأسلوباً، وتنشيط المجتمع المدني وتشجيع العمل الجماعي بصوره المختلفة.

كاتب كويتي

alyusefi@hotmail.com