خصوم الرئيس بوش في الكونغرس طفح الكيل لديهم، بخصوص العراق. بدأوا يتحدثون عن خلافهم معه بمفردات شديدة اللهجة، تتجاوز التحذير. لأول مرة يشهرون بوجهه ورقة قطع التمويل عن القوات العاملة هناك؛ لإجباره على جدولة الانسحاب بل على الرضوخ لجدولة تتراوح بين يوليو وأواخر سبتمبر المقبلين، ويبدو أن في الأمر أكثر من تلويح بوسيلة ضغط.

يوظف الديمقراطيون تزايد الضيق والرفض لدى الشعب الأميركي من استمرار العمليات العسكرية في العراق؛ والخسائر في صفوف القوات الأميركية تتراكم. وكذلك هو حال كلفة الحرب. الأمر الذي أدى إلى هبوط رصيد الرئيس بوش إلى ما دون 30%. كما أنهم يوظفون التوقيت. فالحملة الانتخابية لخلفه، دخلت طور تسخين المحركات.

الحزب الجمهوري وهو حزب الرئيس حريص على عدم ترك ورطة العراق تطيح بحظوظه في المعركة، كما في انتخابات الكونغرس التي ترافقها؛ بدأ التململ يدب في صفوفه. قسم منه أخذ يتخلى علناً عن دعم الرئيس وينضم، أو يلمح بالانضمام، إلى الخندق المعارض. رسالة الكونغرس كانت واضحة في مشروع القانون الأخير، الذي ربط تمويل الحرب بتحديد مواعيد انسحاب القوات الأميركية من المدن، ومن ميدان العمليات اليومية.

الرئيس بوش نفذ تهديده واستخدم حق الفيتو لرد القانون إلى الكونغرس؛ قبل أيام قليلة، لكن الفيتو استثار الكونغرس، الذي كرر عزمه على تحقيق الجدولة. رئيس اللجنة المقررة في شؤون العائدات والإنفاق ـ وهي إحدى أهم اللجان النافذة في مجلس النواب الأميركي ـ، قال في مقابلة متلفزة، ان هذا الأخير عازم على «زلزلة البيت الأبيض»، لحمله على سماع صوت الأميركيين؛ حول العراق. وشدد في حديثه على جعل شهر سبتمبر المقبل كموعد أخير. مع دخول أكتوبر تبدأ السنة المالية الأميركية؛ ويبدأ بالتالي العمل بموازنة عام 2008.

عند ذاك يعتزم الكونغرس إدخال ورقة تمويل الحرب إلى المعركة مع الرئيس. ومشكلة البيت الأبيض أن تماسك حزبه حول سياسته العراقية المعروفة، بدأ يتشقق. أقطابه في مجلس النواب أعطوا الإشارة الصريحة أنه إذا لم يتحسّن الوضع الأمني في العراق مع أواخر الصيف؛ «عندئذ لا بدّ من إعادة النظر في الحرب» كلام غير مألوف يسمعه البيت الأبيض، لأول مرة منذ غزو العراق. والمعروف أن الكونغرس يملك صلاحية الإنفاق على الحرب بلا منازع. وبالتالي في حال لجأ إليها حتى بصورة مخففة فإنه يضع قيوداً على الرئيس الذي لن يكون أمامه خيار سوى التكيّف بدرجة أو بأخرى، مع رغبات الكونغرس.

هذا الجانب من رسالة التيار الأميركي المناوئ للحرب، موجّه إلى الرئيس بوش. الجانب الثاني الأهم، ولو غير المباشر، موجّه إلى القوى العراقية. ان حرب الإدارة الأميركية على العراق تقف على عتبة طور جديد. الأمور لن تبقى على ما كانت فيه. وعليه فالساحة العراقية مقبلة على ظروف وتحديات جديدة.

وهي مفتوحة على احتمالين: الخلاص أو الخراب. الأول مرهون اقترابه بالتوافق السياسي الداخلي والمستعجل. الوقت لم يعد يسمح بالنوم على حرير الانتظار. الثاني هو البديل المحتوم، لو تعذّر تجاوز الخلافات السياسية. المشهد العراقي تضربه الزلازل منذ وقوع الاحتلال، أرضه لم تعد تحتمل، سواء زلزل الديمقراطيون البيت الأبيض أم لا. وعلى العراقيين عدم تفويت فرصة مؤتمر المصالحة الذي تقرر أن ترعاه الجامعة العربية الشهر المقبل، الذي قد يكون الأخير.