بداية لا بد من توضيح أنني لا أقصد، بأي حال، الإساءة إلى الرئيس الفرنسي المنتخب نيكولا ساركوزي أو تعكير مزاجه الاحتفالي بالنصر الانتخابي، من خلال مناداته بهذا اللقب «ذي الشبهة العربية»، وهو المعروف بأنه لا يرغب كثيرا في العرب أو ما هو عربي كما لا يحب المهاجرين عموما، ربما لأنه ابن مهاجرين من بلدين مختلفين، وان كانا ينتميان معا إلى ذات العقيدة اليهودية.
فقد ولد نيكولا ساركوزي دو ناغي بوكسا في العاصمة الفرنسية، عاصمة النور باريس، عام 1955 لأب مجري من أصل يهودي يوناني وأم يهودية شرقية (قد تكون من أصول عربية!) التقيا سنة 1944 أثناء فرارهما من النازية.
ساركوزي، أو «ساركو» كما يلقبه أنصاره، شق طريقه نحو النجومية السياسية بسرعة متجاوزا الكثير من الصعاب، بعد أن درس القانون وتردد بين الصحافة والمحاماة، حيث دخل معترك السياسة في التاسعة عشرة من عمره وبرز في محيط جاك شيراك عرابه السياسي وزعيم اكبر أحزاب اليمين حينذاك، وفي الثامنة والعشرين من عمره انتخب رئيسا لبلدية «نويي» إحدى الضواحي الباريسية الراقية.
وبعد ستة أعوام أصبح نائبا في البرلمان الفرنسي قبل أن يعين وزيرا للمالية وناطقا باسم حكومة ادوار بالادير وهو في الثامنة والثلاثين. وتولى وزارة الداخلية سنة 2002 ثم تركها بضعة أشهر إلى وزارة الاقتصاد قبل أن يعود إلى الداخلية مجددا إلى أن تركها مؤخرا ليتفرغ للانتخابات الرئاسية.وقبل ذلك في عام 2004 انتخب رئيسا للحزب الحاكم «الاتحاد من اجل حركة شعبية» الذي أسسه شيراك محل الحزب الديغولي «التجمع من اجل الجمهورية».
لكن هذا السياسي العصامي «حفاظا على العهد» بينه وبين معلمه سرعان ما طعن شيراك في الظهر حين دعم منافسه بالادير سنة 1995، في ما اعتبر حينها «خيانة» للرجل الذي احتضنه مبكرا وتبناه سياسيا. ولعل هذا «الوفاء» لشيراك هو الذي جعله يدعو إلى «القطيعة مع الماضي» والمناداة ب«ابتكار نموذج فرنسي جديد»!
غير أن نجومية «ساركو» السياسية لم تصاحبها نجومية مماثلة على الصعيد الأسري، فقد رزق ولدين من زواج سابق قبل أن يتزوج سنة 1996 عارضة الأزياء المطلقة سيليسيا ذات الأصل اليهودي الروماني التي صرحت عام 2004 بأنها «تفخر بأن شرايينها خالية من أي دم فرنسي»، حسب ما ورد في احد المواقع الالكترونية الفرنسية.
فقد هجرته زوجته سيليسيا لفترة سافرت خلالها إلى أميركا مع صديق لها، وقد اعترف ساركوزي بأنه اتصل شخصيا برئيس تحرير مجلة «باري ماتش» الفرنسية لسحب غلاف المجلة الذي خصصته لصورة زوجة الوزير مع صديقها في مانهاتن، كما ذكرت صحيفة «الشرق الأوسط» بتاريخ 2 يوليو 2006، لكن سيليسيا عادت بعد ذلك إلى بيت الزوجية والى زوجها الذي وجد منها ابنه لوي (Luis) ذي العشرة أعوام، وهذا الفتى، الذي أصبح منذ الأحد الماضي ابن رئيس الجمهورية الفرنسية، هو الذي أردنا تقريبه إلينا بتعريب اسمه إلى «لؤي» القريب من اسمه الفرنسي وربما القريب، أيضا، من رغبة جدته إن كانت من أصول يهودية عربية، ما دامت من اليهود الشرقيين!
ثم إن الرئيس الفرنسي الجديد «أبو لؤي» قد تؤثر فيه هذه التسمية ويعدل بعض آرائه ومواقفه من أبناء المهاجرين، مثله، من الفرنسيين ذوي الأصول العربية وغيرهم من أبناء المهاجرين الآخرين الذين وصفهم الرئيس المنتخب ووزير الداخلية السابق بأنهم «رعاع» يجب «تطهير» البلاد منهم.
فلغة ما دون الرئاسة ودغدغة مشاعر الناخبين من اليمين المتطرف قد يكون لها ما يبررها انتخابيا وفق مقولة «الغاية تبرر الوسيلة»، لكن لرجل الدولة ورئاسة الجمهورية منطقا مختلفا ولغة أسمى، خاصة لمن صرح بأنه سيكون «رئيسا لكل الفرنسيين»، أما العرب من غير الفرنسيين فلا أحد يمكن أن يكون أحرص عليهم من أنفسهم.
وما داموا لم يغيروا ما بهم فليس منتظرا أن يهتم بذلك غيرهم، لا سيما إن كان من شاكلة الرئيس «ساركو» الذي وصفه مؤخرا عبد العزيز بالخادم، رئيس الوزراء الجزائري الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني، بأنه «يريد إعادة الاعتبار لمنظمة الجيش السري التي كانت منظمة إجرامية وإرهابية» في الجزائر، على حد تعبيره، وذلك ردا على تصريحات لساركوزي بأنه «يريد إدارة ظهره للتوبة عن ممارسات الإدارة الاستعمارية في الجزائر».
فالرئيس الفرنسي المنتخب لديه من المشاغل والهموم، السياسية والاقتصادية وحتى الأسرية، ما يكفي لإشغاله عن هموم العرب ومشاكلهم، أحرى به أن يهتم بمشاعرهم ورغباتهم.وليس لنا إلا أن نتمنى له ولنجله الأصغر وعائلته، أن يكون مقامهم في قصر «الاليزيه» بردا وسلاما علينا.. ولو بالنسيان!