تابع العالم مجريات مؤتمر شرم الشيخ الأخير باجتماع أكثر من خمسين دولة لمعالجة وضع العراق وانبثاق وثيقة العهد الدولي التي قبلها البعض وشكك في مصداقيتها البعض الآخر.. ولكن العالم قال للعراقيين :
سنحقق مطالبكم ولكن شريطة الوفاء بالعهود التي قطعتموها.. نعم، لقد تبنّى المشاركون في المؤتمر بنود هذه «الوثيقة» والتي تمّثل الإجماع الدولي على ما اقرّ حتّى الآن شريطة تنفيذ ما يريده العالم من العراقيين.. وفتح الطريق أمامهم في خطة خمسية تهدف إلى إحلال الاستقرار السياسي والاقتصادي في العراق الذي يعيش دوامة صعبة جدا من أعمال العنف منذ أربع سنوات، فضلا عن تعهّد بخفض ديون العراق بقيمة 30 مليار دولار.
لقد كان رئيس الوزراء العراقي قد تعهد في افتتاح المؤتمر بنزع سلاح المليشيات في العراق، وطالب الدول العربية والصديقة بإسقاط الديون المستحقة لها على العراق، مشددا على أنه لا يمكن الحديث عن استقرار أمني دون ازدهار اقتصادي أو تقدم اقتصادي دون استقرار امني، مؤكدا كذلك أن حكومته تعمل على إرساء علاقة جديدة بين العراق والمجتمع الدولي قائمة على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. أما وزير الخارجية المصري، فقد دعا في كلمته إلى عدم تهميش تيار بعينه في العراق أو الانحياز لفريق دون آخر، موضحا أن أي جهود إقليمية أو دولية لن تؤتي ثمارها بدون إدراك دقيق للأولويات الملحة التي تواجه المجتمع العراقي.
كما أعلن وزير الخارجية السعودي عن تقديم بلاده مليار دولار للمساعدة في إعادة إعمار العراق، وكذلك أعلن عن استعداد المملكة لتخفيض ديونها، وقال: إن السعودية تقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف العراقية. وأعرب عن أمله في أن يخرج المؤتمر بنتائج تتلاءم مع دقة الوضع الذي يمر به العراق، مشيرا إلى أن (المشاهد المأساوية) تحمل المشاركين مسؤولية أخلاقية من اجل انتشال العراق من واقعه المرير ووضعه على طريق الاستقرار.
أما وزير الخارجية الإيراني فقال : (في ظل الظروف الراهنة، فإن أفضل طريقة يمكننا من خلالها خدمة الحكومة والشعب في العراق هي مساعدتهما على إحلال الأمن والاستقرار والتضامن الوطني ومنع الأعمال التي تؤدي إلى تصعيد العنف الطائفي والفتنة الداخلية). وأكد وزير الخارجية السعودي أن بلاده تراقب بقلق الوضع المتردي في العراق، وتابع قائلا: إن هذا الوضع لا يمكن تجاوزه إلا بتحقيق مصالحة وطنية شاملة تضمن مشاركة جميع ألفئات العراقية.
وقد دعت وزيرة الخارجية الأميركية أمس إلى تقديم دعم دولي للخطة الخمسية الهادفة إلى إنهاض الاقتصاد العراقي. وقالت رايس: (في وقت تعمل فيه الحكومة العراقية على تحسين حياة كل العراقيين. ستكون بحاجة لدعم فاعل ومستمر من جيرانها في المنطقة ومن المجموعة الدولية''. وهذه الخطة يفترض أن تتيح إعادة إعمار العراق، وتابعت : (هذه العملية ستتعزز مع التزام دول إضافية ومنظمات بدعم العراق، وعلينا بالتالي أن نعمل على توسيع المشاركة الدولية في هذا العهد).
هنا أسأل : هل يكفي كل هذا وذاك من اجل ولادة عراق جديد آمن ومستقر؟ إنني اعتقد أن مؤتمر شرم الشيخ لم يتوان في دعم العراق والاستجابة لمتطلبات حكومته، ولكنه كان مغرّدا خارج السرب، ولم يحقق أمنيات العراقيين.. ربما رجع المسؤولون العراقيون إلى بغداد تملؤهم النشوة والحبور لما كسبوه في هذه الجولة، وقد صفقّنا أيضا لكل الاهتمام الذي أولاه العالم للعراق، ولكن أغلب المسؤولين العراقيين ومن قبلهم المسؤولون الأميركيون ما زالوا غير متفهمين أبدا سر المعضلة العراقية التي لا يمكن أن يحلها المجتمع الدولي بقدر ما يكمن الحل بأيدي العراقيين أنفسهم سواء في ما بينهم كعراقيين أو بينهم وبين الأميركيين كقوة احتلال.
ومن الواضح أن المجتمع الدولي قد اقّر الصيغ والمبادئ التي أعلنها العراق الجديد، وان إسقاط 30 مليارا من الديون العراقية يعد انتصارا للعراق، ولكن العراقيين لا يقبلون بالتغاضي الأميركي عن استحقاقات بلادهم التي سحقتها جيوش التحالف.. فإسقاط الديون العراقية لا يعني هروب الولايات المتحدة من الاستحقاقات التي كانت قد وعدت بها لإعمار العراق !
كما أن إطلاق الوعود من قبل دول الإقليم بعدم التدخل في الشؤون الداخلية العراقية، لا يعني أبدا أن صراعاتها قد سوّيت مع الولايات المتحدة؟! إن تشديد المجتمع الدولي على المصالحة الوطنية معناه أن يفتح كل العراقيين صفحة تاريخية جديدة، وان ينفتحوا على بعضهم الآخر مهما كان الثمن.. وهذا لا يتم مع وجود ميليشيات علنية وسرية ووجود محاصصات ومراكز قوى وتيارات وانقسامات ونهب ثروات..
وان الحكومة العراقية عاجزة تماما في تفكيك هذه أو القضاء على تلك ما دامت هناك ثمة تخندقات طائفية واثنيه واختراقات خطيرة خفية غاية في الاستقطاب! كما أن الوثيقة تطالب بتعديل للدستور وتقاسم للسلطة وتأسيس للحوار وتوزيع عادل للمصالح والموارد. فهل غدا العراقيون بمستعدين لذلك كله؟ هل هناك إرادة وطنية عراقية يمثلها الشعب قابلة بكل المجريات؟ إنني أرى بأن الحكومة العراقية كانت ولم تزل حكومة مدّللة من قبل الولايات المتحدة، برغم كل ما تسجّله عليها من نقاط.
ولكنها حكومة وقعت بين المطرقة والسندان فهي تنادي الآخرين بالقضاء على الإرهاب وهي لا تستطيع تفكيك ميليشيات علنية! وهي تنادي بالمصالحة الوطنية من دون أي استجابة وفاعلية! وهي تطبق خططا أمنية حاسمة والوضع يزداد سوءا. إن مؤتمر شرم الشيخ لم يدرك بعد عمق المأساة التي تطحن المجتمع العراقي.. وشكرا للمؤتمرين ولكن هكذا حلول ترضية لا تنفع أبدا أن لم تترسخ إرادة عراقية مستقلة جديدة بمشروع وطني مدني يجمع عليه كل العراقيين.. فالكرة ستبقى دائما وأبداً بأيديهم بعيدا عن كل المزايدات.
مؤرخ عراقي
www.sayyaraljamil.com