تعتبر الطبيعة الديمو-غرافية للعالم العربي الأكثر جذباً للأطماع الخارجية من الأصدقاء والأعداء. الموقع الجيو-استراتيجي الحساس للعالم العربي من الأهمية بمكان يسيل له لعاب الدول الاستعمارية الكبرى كما أن الطبيعة الاستهلاكية للحشود السكانية تجعل منه عنصر جذب للشركات ذات الطموحات الرأسمالية. الطبيعة الثقافية المسالمة والودودة تزيد من دعوة الطامعين في المكان.
يساعد الأطماع الاستعمارية طبيعة الجو الصحراوي الحار في معظمه والتي تجعل السكان ميالين للخلود للراحة وعدم الخوض في الأمور وتبسيط المعقد منها. من أجل هذا وذاك تتعرض أجزاء الوطن العربي بين حين وآخر لغزو من نوع أو آخر تحت مسميات ومبررات وحجج تتراوح بين الدينية والعرقية والعنصرية وأخيراً بحجة نشر الديمقراطية ومكافحة الإرهاب.
في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين تجسدت الأطماع الاستعمارية الحاقدة في العالم العربي بشكل محموم. تم التخطيط لإنشاء كيان لليهود في فلسطين أدخل العالم العربي في أتون حروب وصراع مع العدو الإسرائيلي وأخرى جانبية بين كافة الإخوة والأصدقاء.
اعتمد الداعمون للمشروع الصهيوني على مسميات وأفكار تاريخية ودينية مستقاة ومحرّفة لتلائم الأعمال السياسية والعسكرية اللاحقة. بشكل أكثر دقة زعم الإسرائيليون أن فلسطين تمثل أرض الميعاد لهم ونقطة تجميع لأجيال منهم قبل حدوث معجزات دينية من مستوى عودة المسيح المنتظر وقيام القيامة وما يتبع ذلك.
أسفرت تلك التأويلات التي لا تتعدى منطق الخرافات والخزعبلات عن اقتلاع شعب فلسطين العربي بأكمله من أوطانه وحرمانه من حقوقه الوطنية والأساسية والثانوية. عربياً أسفرت تلك العملية عن قضم أرض فلسطين العربية بشكل شبه كامل، لولا التواجد العربي المحلي المشلول سياسياً الممثل بأقلية تعيش على هامش الدولة العبرية.
منذ منتصف القرن العشرين وصلت التدخلات السياسية في السودان أوجها عندما حرّك الاستعمار البريطاني بعض القوى الانفصالية في جنوب السودان ضد الشمال باستخدام مسميات وحجج ومبررات تعتمد اللعب على الاختلافات العرقية والإثنية والدينية والجغرافية السطحية.
يشكل جنوب السودان منطقة استراتيجية هامة يمكن للقوى الخارجية المعادية التأثير منها على عمق مجريات الأوضاع في العالم العربي دون الحاجة لإرسال جندي واحد للقيام بمهمة عسكرية. تقع المناطق الواقعة شمال المنطقة الجنوبية للسودان تحت رحمة الدولة المزمع إنشاؤها بسبب اعتماد عشرات الملايين من البشر على ماء الحياة المتدفق إليهم ببالغ السخاء من نهر النيل العظيم.
حديثاً أكمل الغربيون خططهم بضم منطقة دارفور إلى حلبة الصراع على السودان لخدمة مصالحهم طويلة وقصيرة الأمد، مصالح اقتصادية وثقافية وسياسية وعسكرية. لم تجد الدول الغربية بزعامة الولايات المتحدة عنصراً حسّاساً في دارفور للعب على حبله فاخترعوا مبررات اختراقات ذات أبعاد إنسانية وألصقوها بالنظام المركزي في الخرطوم.
لم يتردد الغرب في زعم إظهار حرصه حتى على أعراض نساء دارفور بشكل يفوق حرص العرب والمسلمين المميّز عليها. بعبارة أخرى استخدمت المسميات أو المبررات الأخلاقية والإنسانية والحضارية بشكل رئيسي لدق إسفين التدخل الخارجي لقضم ذلك الجزء من العالم العربي، ولذر الرماد في العيون على الهدف الحقيقي المتمثل بالسيطرة على خيرات المنطقة الجوفية.
في المغرب العربي حيث يعيش الأمازيغ (أو ما يعرفون بالبربر) جنباً إلى جنب وبسلام منقطع النظير مع العرب منذ مئات السنين. في الماضي حاول الاستعمار الفرنسي شق الصف الوطني المغاربي باستخدام ورقة الاختلافات العرقية؛ الآن تتكرر نفس المحاولات وباستخدام شتى الأساليب ومن ضمنها إيقاظ وحش التطرف العرقي لدى الجماعات المتطرفة بعد إعطائها مراكز قيادية حساسة.
الهدف هو العودة بتاريخ المنطقة إلى أيام الفتوحات الإسلامية الأولى في شمال أفريقيا وتحريض السكان الذين يعتبرون أنفسهم الأصل ضد العرب القادمين في نظرهم على ظهور خيول وجمال الفتوحات الإسلامية. مرة أخرى تُوظف المسميات التاريخية والعرقية والدينية، التي تخطاها قانون الحضارة والمنطق والفكر والعلم والعمل، لتلعب الأدوار الرئيسية في إدخال أنف الاستعمار الخارجي لشق صفوف الجبهة الداخلية في ذلك الجزء من العالم العربي.
في لبنان ومنذ نجاح الاستعمار الغربي في السيطرة على بلاد الشام نضحت الأفكار الانفصالية التقسيمية القائمة على تصوّرات التفوق العنصري العرقي تارة وعلى التعصب الديني المذهبي مرة أخرى. لكن ثمة بعد آخر مبتكر في لبنان ألا وهو البعد الحضاري الذي تتغنى بالتفوق به جماعات على الأخرى. في هذا الصدد مال قسم من اللبنانيين إلى فصل لبنان فكرياً وحضارياً عن العالم العربي وعملوا على إلحاقه بقارة أوروبا وخاصة الغربية منها، وأدخلوا مبرر البعد الحضاري المبني على الاختلاف العرقي المعمّد بالدين والمذهب والطائفة.
في مصر حيث قلب العالم العربي تركّزت الحملات الفرنسية والإنجليزية وفيما بعد الأميركية لسلخ مصر عن جسم العالم العربي باستخدام المسميات العرقية والتاريخية والأثرية. تجري الاتهامات الآن على قدم وساق ضد النظام المصري ذي الهوى والنزعة العلمانية بالتمييز ضد الأقليات الدينية وبدرجة أقل العرقية، يجري ذلك بالرغم من أن الطبيعة المصرية تخلو تماماً تقريباً من أي تطرف في النظرة العرقية أو الدينية أو المذهبية أو العنصرية الطائفية.
الشعب المصري بكامل فئاته وأطيافه معروف بأنه من أكثر شعوب العالم المسالمة بشاشةً وانفتاحاً على من يعيش فيه ومن حوله وعبر العالم. آخر محاولات الاستعمار والقوى الخارجية لقضم أجزاء من العالم العربي تحدث الآن في العراق. بشيء من التفصيل يمثل شمال العراق بؤرة خلق النزاعات العرقية والدينية والمذهبية، يلي ذلك جنوب العراق وبدرجة أقل وسطه.
في الشمال بالذات تتنازع القوى من أصول عرقية عربية وآشورية وكردية وتركمانية وأصول أخرى، تتنازع جميعاً التحكم والسيطرة على شمال العراق بعد الفراغ الأمني والإداري والسياسي الناجم عن الاحتلال الأنجلو-أميركي للعراق وتدمير بنية الدولة العراقية الحديثة. ليس من قبيل التشاؤم المفرط القول إن الاستعمار الغربي نجح ولو مؤقتاً في قضم العراق من جسم العالم العربي أسوة بما حدث في فلسطين من قبل وفي جنوب وغرب السودان حالياً.
بعد حوادث 11 سبتمبر 2001 في الولايات المتحدة ازدادت حدة وتركيز الهجمات الغربية الشرسة على العالم العربي خاصة بعد التبني الإعلامي لتلك الحوادث من قبل زعيم تنظيم القاعدة، أسامة بن لادن. لكن للتذكير فإن الزعم الإعلامي بالقيام بعمل شيء لا يعني بالضرورة القيام بذلك العمل، لا منطقياً ولا علمياً ولا عملياً ولا قانونياً؛ هنالك الكثير من الإجراءات الضرورية التي يجب سلكها لتأكيد الجريمة.
التوجه لقضم أجزاء جديدة من العالم العربي يتم الآن تحت مسميات ومبررات جديدة منها نشر الديمقراطية ومحاربة الإرهاب، مفهومان يساقان إعلامياً لذر الرماد في العيون عن النوايا الحقيقية وراء الغزو والاحتلال الجديدين. الشعوب العربية وعلى مر التاريخ من أكثر الشعوب انفتاحاً سلمياً وقبولاً وتقبلاً للعالم الخارجي، وأبعدها عن الإرهاب الذي يتم تعليق وشمه عنوة بجبين كل ذي أصل عربي.
ينسى أو يتناسى الساعون إلى اللعب على أوتار التاريخ واختلاف الأعراق وامتداد الآثار لشق صفوف العرب وقضم أوطانهم أن وجودهم في بلادهم الحالية قائم على أنقاض حضارات سبقتهم إلى ذلك المكان من قبل، في الأميركيتين وأستراليا ونيوزيلندة وجنوب أفريقيا وروديسيا وغيرها من المواقع عبر العالم.
الأكثر غرابة من هذا وذاك أن العالم العربي والذي أجزاؤه معرضة للقضم بين الحين والآخر لم يقم بعمل الحد الأدنى من المطلوب للحد من تلك الأعمال التي في معظمها همجية عدوانية غاشمة. أكثر من ذلك تستمر حالة النظام السياسي والتنظيمي والإداري العربية في الغرق في الفساد والتخلف الحضاري والفوضى غير البنّاءة! مما يفسح المجال للقوى الطامعة للاستمرار في قضم أجزاء العالم العربي حتى النهاية.
جامعة الإمارات
