تبدأ اليوم في صنعاء أعمال المؤتمر الثاني لرابطة مجالس الشورى والشيوخ في الوطن العربي وأفريقيا في تظاهرة أقل ما توصف به أنها تشكل حدثاً مهماً في تاريخ العلاقات العربية الأفريقية التي ظلت تتأرجح بين كفتي البروز والخفوت ودون أن تتهيأ لهذه العلاقات الفرصة السانحة لتعزيز مجريات الشراكة بين شعوب هاتين المنطقتين الهامتين التي تتمتع بثقافات متقاربة ورؤى متجانسة -إلى حد كبير- فضلاً عن القناعة المتبادلة في الوصول إلى تكامل إقليمي يقوّي جسور التواصل والتعاون الاقتصادي.. ويسهم -أيضا- في معالجة اختلالات الأمن والاستقرار وتفادي الصراعات والنزاعات التي تعيق عوامل التنمية والتطور وإحلال معطيات السلام الإقليمي والدولي.
والدلالة التي لا تخطئها حصافة أي متابع تتجسد اليوم في ما أصبحت تمثله رابطة مجالس الشيوخ والشورى في العالم العربي وأفريقيا من أهمية على صعيد التقريب بين هذين الكيانين الكبيرين اللذين بوسعهما أن يقدما الشيء الكثير إذا ما توحدت طاقات شعوبهما وعملت معا في الاتجاه الذي يخدم مصالحها..خاصة في ظل التداعيات الإقليمية والدولية التي تتصاعد وتائرها على نحو مقلق تجاوزت في بعض جوانبها حدود السيطرة..
- ولعلنا لا نبالغ إذا ما قلنا أن أشد المعضلات تعقيداً تخيم على الفضاءين العربي والأفريقي .. وتبرز ملامح هذا المشهد في ما يعتمل الآن على السطح، أكان ذلك في صورة ما يجري على الساحتين الفلسطينية والعراقية.. أو في ما تنبئ به الأحداث في القارة الأفريقية من تفاعلات أشدها الأزمة المتفاقمة التي يموج بها الصومال منذ أكثر من ستة عشر عاماً.
- وفي ظل هذه الظروف المستحكمة والمأساوية فإن قيام مثل هذا التجمع العربي الأفريقي - الذي يعد الأول نوعه, والذي كانت اليمن صاحبة المبادرة في بلورة فكرته وخروجه إلى الواقع، يعول عليه - وقد استكمل بنيته التأسيسية، واكتسب ديمومته- الاضطلاع بمسؤولياته الكبيرة.. ومن ذلك ما يتعلق بالتوافق على الآليات الناظمة لأعمال الرابطة.. والأولويات التي يتوجب مباشرتها، حتى يتسنى لرابطة مجالس الشيوخ والشورى في العالم العربي وافريقيا التحول إلى كيانٍ مؤسسي موازٍ للرابطة الأوروبية.. وهو الأمر الذي لا يتطلب سوى الإسراع في تفعيل التوجهات التي تضمنها دستور الرابطة، وما اشتملت عليه تلك التوجهات من أسس وأهداف ومنطلقات حيال الدور الفاعل الذي يمكن أن تقوم به هذه الرابطة على صعيد إرساء قواعد الشراكة بين الشعوب العربية والإفريقية، وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي، وإقامة المشاريع الاستثمارية من قبل القطاع الخاص في المنطقتين، وصولاً إلى إيجاد تكتل اقتصادي قوي يمتلك مقومات المنافسة وتحقيق الحضور المؤثر في الخارطة الدولية.
- حيث أن توطيد هذه الشراكة هو السبيل إلى الاندماج وتشابك المصالح والمنافع وإزالة بؤر التوتر، بالنظر إلى العلاقة الوثيقة بين السلام والتقدم في واقع أي بلد أو منطقة أو حتى على مستوى العالم برمته.
- وقبل وبعد كل ذلك.. يحدونا الأمل الكبير في أن المؤتمر الثاني لرابطة مجالس الشيوخ والشورى، الذي يبدأ أعماله اليوم بصنعاء، سيشكل نقطة انطلاق حقيقية باتجاه إنجاز الغايات المنشودة .. خصوصاً وأن جميع الدول المنضوية في هذه الرابطة تجمعها الرغبة الصادقة والقناعة الكاملة والاستعداد الكبير للانتقال بالرابطة من مرحلة التأسيس إلى مسارات العمل، والسعي المشترك إلى إنضاج كل الأفكار والرؤى الهادفة إلى ملء الفراغ الذي يسود العلاقات العربية الافريقية وذلك عن طريق الاستفادة من كل تجارب الماضي وما آلت إليه هذه التجارب، والأخذ بأفضلها، ولما من شأنه إنضاج المشاريع المطروحة وتحويلها إلى مبادرات في إطار روافد جديدة تقوّي مناعة هذه الرابطة في مواجهة التحديات التي يحملها المستقبل، وذلك صار ممكناً بعد أن نضجت الأسباب التي تهيئ لهذه الرابطة أن تغدو كياناً متجانساً ومتلاحماً في مكوناته، وقوة فاعلة لا يستهان بها.