لم يعد خافيا أن الحكومات الاسرائيلية على اختلاف ألوانها ورموزها تتخذ من التصعيد العسكري استراتيجية دائمة لتتمكّن في ظلّها من فرض الحلول التي تراها ملائمة لمقاسات مصالحها وهواجسها الأمينة على الأرض.
فالتصعيد العسكري وما يخلقه من أجواء توتر وما يفرضه على الجانب الفلسطيني من ردود دفاعا عن النفس وصدّا للصّلف الصهيوني، هذا التصعيد يوفر لإسرائيل أجواء من «الفوضى البنّاءة» التي ابتدعتها حليفتها أميركا.. وهي أجواء تمكّن من تمرير كل المخططات الهادفة الى تحييد قرارات الشرية الدولية والحيلولة دون اتخاذها أساسا لأية تسوية مرتقبة.. والهادفة الى رسم الحل وفق الرؤية الاسرائيلية على أرض الواقع ليجد الفلسطينيون أنفسهم وبعد انقشاع الغمامةونهاية «الفوضى البناءة أو الخلاقة» أمام حقائق يصعب عليهم تجاهلها أو تجاوزها إن لم نقل يستحيل عليهم ذلك.
وفي خانة رسم الحل فإن الصهاينة لا يعدمون الحيلة ولا الوسيلة.. فهم بدؤوا بغول الاستيطان الذي أطلقوه على الأراضي الفلسطينية الخصبة في الضفة الغربية.. ولم يدخر هذا الغول جهدا في اغتصاب المزيد من الأراضي وتحويلها الى كتل استيطانية كبرى تحيط بها طرق التفافية وتنشر هنا وهناك في الضفة لتحولها الى أشبه شيء بقطعة الجبـن التي ستحشر الفلسطينيين داخل محميات بشرية لا تواصل بينها الا عبر بوابات تتحكّم اسرائيل في مفاتيحها.. وبعد أن ضمنوا تحييد قرارات الشرعية الدولية وموافقة بوش الإبن على اخراج هذه الكتل الاستيطانية من أية مفاوضات لحل نهائي، طلع الصهاينة بغول آخر إسمه جدار الفصل العنصري.. الجدار رسم حذوى اسرائيل على الميدان في خرق واضح وصريح لقرارات الشرعية الدولية.. والجدار زاد في تمزيق أوصال المدن والتجمعات الفلسطينية ليكمل ما بدأه الاستيطان.. والجدار تمطّط وتعرّج ليمكّن الصهاينة من السطو على 80 من المياه الجوفية الموجودة في الضفة ليحكم بذلك على الشعب الفلسطيني بالموت ضمأ أو بالرحيل عن أرضهم.. كما أن الجدار مكنهم من عزل القدس الشرقية عن امتدادها الطبيعي في الضفة الغربية..
ماذا بقي بعد هذا؟ لم يبق شيء يذكر عدا حق ملايين اللاجئين في العودة.. وهذا الحق بدأ يتعرض بدوره للضغط وبدأت «التكتيكات» وبالونات الاختبار تظهر هنا وهناك للإلتفاف على هذا الحق أو إفراغه من مضمونه.
ولعلّ التصعيد الاسرائيلي المتواصل يهدف وما يصحبه من حصار دولي ومن تجويع لشعب كامل يهدف الى كسر إرادة الشعب الفلسطيني وإجباره على الركوع والخضوع في هذه النقطة بالذات لتصبح العودة الى طاولة المفاوضات ممكنة (صهيونيا) لإملاء الشروط الصهيونية على الفلسطينيين..
فات هؤلاء فقط أن الحق لا يضيع وإن طال الزمن وأن الأرض لا تنسى مهما طالت الغربة وأنه لا وجود لفلسطيني يمكن أن يفرط في الأرض والقدس وحق العودة.. وإن كثرت المناورات والضغوط.. وإن تعدّدت الاحتياجات والاغتيالات والاعتقالات وان اشتدّ الحصار.. وتكالب على الشعب الفلسطيني الصغار والكبار!