عندما ارتفع الجدار وسط برلين في خمسينات القرن الماضي، كادت أن تقع حرب عالمية ثالثة بين حلفاء الأمس، لولا أن الحلفاء الغربيين الذين أرهقتهم الحرب العالمية الثانية، وجدوا أنه لم يعد بإمكانهم أن يشنوا حربا منتصرة ضد الاتحاد السوفييتي الذي أصبح دولة نووية عظمى، طالما أنهم فرطوا في نصيحة ونستون تشرشل ولم يقوموا بشنها مباشرة صبيحة الاحتفال بالانتصار على ألمانيا.

منذ تلك اللحظة أصبح جدار برلين أحد مصادر الهام أي مبدع غربي يريد أن يشهر بالاتحاد السوفييتي وأصبح الجزء الغربي من الجدار حائط مبكى لكل زعيم غربي يقوم بزيارة ألمانيا الغربية آنذاك، فيعلن عن إحساسه بالعار تجاه هذا الجدار المنافي لكل القيم الإنسانية والحضارية الغربية والذي مثل جريمة شنعاء لا يجرؤ على القيام بها سوى الشيوعيين الأشرار.

بعد مضي أكثر من نصف قرن على تشييد جدار برلين وما يقارب العشرين عاما على إزالته، ينهض مشروع جدار بغداد المتدحرج في حراسة بنادق المار ينز ودروعهم ورغم ما تحيل إليه الظاهرتان من معاني الفصل والعزل، إلا أن مساحة من الفرق بينهما تبدو شاسعة أكثر على امتداد جملة من الوقائع والإيحاءات التي أهم ما يمكن أن يتبادر منها إلى الذهن عند المقارنة هو التالي:

1 ـ إن الذين يقومون ببناء مشروع جدار بغداد لا ينظر إليهم في الغرب رغم اختلاف وجهات النظر حول الغزو على أنهم أشرار ويندر أيضا أن يجرؤ طرف دولي في بقية أنحاء المعمورة على نعتهم بتلك الصفة، كما انه في حالة استقرار الجدار لن يأتي أي زعيم غربي في أي يوم من الأيام على عكس ما كان يجري في زمن جدار برلين، ليعلن عن إدانته وخجله من وجود هذا الجدار .

وما يمثله من معان، ذلك أن تفتيت كمل ما يرمز إلى وحدة هوية المنطقة ومنع التئامها ولو بالقوة، هو المبدأ الثابت في استراتيجية الغرب والذي لا خلاف حوله رغم القليل من التباين حول بعض وسائل تحقيق ذلك والمحافظة عليه، ولذا فإن نظرة الغرب السياسي إلى جدار بغداد تنزاح بعيدا عن تلك التي ينظر بها إلى جدار برلين آنذاك.

2 ـ لقد اخذ جدار برلين صفة الجدار رسميا ومنذ البداية دون تدرج أو مواربة بينما يبدأ جدار بغداد مشروعاً متدرجاً على عدة مراحل وفي عدة مناطق تحت تسميات مختلفة مثل نقاط أمنية وحواجز تفتيش وذلك لاختبار ردود الأفعال والمضي على نفس الوتيرة، فكلما تم التأقلم مع مرحلة من مراحل المشروع يجرى الانتقال إلى المرحلة التالية ولعله من المنطقي أن لا يصدر حتى الآن من طرف الحكومات العربية موقف رسمي علني يدين مشروع الجدار ويطالب بوقفه .

وذلك لسببين، أولهما أن الجدار الذي يشيده المار ينز يدخل في إطار الحرب الأميركية العالمية على الإرهاب والتي تعتبر حربا مقدسة بالنسبة لكل الأنظمة العربية، وثاني هذه الأسباب هو انه لا يجرؤ العرب على المجاهرة رسميا بإدانة التصرفات الأميركية في العراق، فإذا كان بعض هذه الأنظمة قد شارك بفاعلية وبعضها الآخر صمت على احتلال العراق، فليس من المنطقي أن تصدر عنها اعتراضات حول تفاصيل صغيرة لترتيبات أمنية يقوم بها المار ينز في شوارع بغداد ضمن حملة مكافحة الإرهاب العالمية التي أعلن عنها الرئيس بوش بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر.

3 ـ كان جدار برلين في ظاهره تعبيرا عن صراع عقائدي بين معسكرين يحرص كل منهما على أن تكون حدوده بمثابة خطوط نار في مواجهة حدود الآخر بكل ما يعنيه ذلك من القوة والوضوح والانضباط، فلم تكن بوابة برلين سوى منفذ للاتصالات الرسمية أو لتبادل الجواسيس بين المعسكرين والذين كان من ضمنهم في ثمانينات القرن الماضي من سيصبح وزيرا للزراعة في إسرائيل فيما بعد، وبالتالي فان جدار بغداد ليس خطا للنار أو حدا فاصلا لنفوذ طرف في مواجهة الطرف الآخر، فأعداء الاحتلال ينتشرون حوله من كل اتجاه.

4 ـ عندما جرى بناء جدار برلين لم تكن آنذاك عاصمة لعموم ألمانيا التاريخية بل كانت مجزأة قبل ذلك بسنوات بين دولتين بحكم ثنائية الاحتلال، الذي لم يكن أي من طرفيه على استعداد للتخلي عما حازه في مواجهة المعسكر الآخر، وبالتالي لم تكن هوية الشعب الألماني هي المستهدف من وراء هذا التقسيم بينما يختلف ذلك مع وضع بغداد التي وقعت تحت سطوة محتل واحد لا تنازع سيطرته عليها أية قوة أخرى سوى المقاومة العراقية، كما أن مشروع جدار بغداد المتدحرج يجري بناؤه في مدينة كانت ولا تزال هي العاصمة الفعلية للعراق، بل إنها في رمزيتها التاريخية لا تضاهيها سوى أثينا وروما بالنسبة للشعوب العربية التي حكوماتها تآمرت وشاركت في احتلالها.

إن الذي يستهدفه مشروع جدار بغداد هو :

أولا ـ هوية الشعب العراقي، فبعد التلاعب بالورقة العرقية العربية الكردية وتجهيزها كأداة تقسيم إذا ما اقتضت الضرورة ذلك، يأتي دور التفتيت الطائفي الذي بدأ بممأسسة المحاصة الطائفية سياسيا ومحاولة ضرب طائفة بطائفة أخرى ثم يأتي مشروع الجدار لاعطاء مفهوم الطائفية بعدا جغرافيا يجعل كل طرف يتشبث ويتمسك بهذا المكان الذي يتوهم انه خاص به ويحس داخله بالطمأنينة والأمان وبالتالي عليه أن يدافع عنه ولا يهمه ما تجرى لدى الطرف الآخر.

ثانيا - تحطيم رمز وحدة وسيادة العراق المتمثل في العاصمة التاريخية التي تقطنها كل مكونات الشعب العراقي وجعلها نقطة البداية في مشروع التقسيم. قد يفشل مشروع الجدار خلال أسابيع أو شهور وقد يستمر لخلق وقائع لم يكن يتصورها أحد، ولكن كل هذه الاحتمالات لن تتحول إلى حقائق ما لم يشارك في صنعها العراقيون أنفسهم.

كاتب ليبي جامعة بنغازي