حكومة الشراكة بين «فتح» و«حماس» تصطدم بعقدة، لها حجم أزمة، المشكلة بدأت تطفو على السطح في الآونة الأخيرة. كانت ذروتها في إعلان وزير الداخلية استقالته بعد أن اشتكى من القيود والعراقيل التي تواجهها صلاحياته، واشترط للعودة إزالة الأسباب المانعة. رفضت استقالته، مع الوعد بالعمل على معالجة أسباب الشكوى، ثم عاد وجدد إصراره على ترك منصبه؛ على قاعدة أن صلاحياته لا تزال عديمة الفعالية والجدوى. واكب ذلك عودة الوضع الأمني إلى التفاقم.

وتعود أجواء التأزيم السياسي والأمني إلى الساحة؛ في وقت لم تقو فيه الحكومة بعد على أكثر من كسر شيء من جليد الحصار السياسي، المضروب عليها منذ أكثر من سنة؛ ناهيك بالحصار المالي والاقتصادي الذي لا يزال يرمي بثقله وتداعياته على الشعب الفلسطيني وأوضاعه كلها.

وغني عن القول إن استتباب أمور البيت الحكومي، هو أدنى الشروط المطلوب توفرها لاستكمال الحملة الوطنية ضد الحصار والخلاص منه، وهو حتى بوحدته بالكاد يقوى على إنجاز هذه المهمة، وجبهة خصومه عاتية وجائرة، وبالتالي هي تحتاج لكل زخم متاح، وبدلاً من ذلك يعود الوضع الفلسطيني إلى الانشغال بحاله، وهذه المرة ينشغل بأزمة صلاحيات، لكن هل فعلاً هو خلاف حول آليات أمنية أم أنه يخفي أبعاداً ومضامين سياسية تعود لفترة ما قبل اتفاق مكة؟

حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية، مضت على قيامها فترة كافية، إذا لم يكن لتصفية الرواسب بين الطرفين؛ فعلى الأقل لتمكين قطارها من الانطلاق على السكّة التي رسمها برنامجها المتفق عليه، وكان مفهوماً أن تكون البداية بطيئة وحذرة وغير سلسة، فالتجربة جديدة ومحكومة بخلفية معروفة، لكن عوضاً عن أن تستجمع المزيد من عوامل التماسك مع مرور الوقت؛ فإذا بها تقع في إشكاليات، تشي بما هو أبعد وأعمق من صلاحيات.

ومن هنا المخاوف من أنه إذا لم يُصر إلى استدراك الأمر والتعامل معه بما يكفل طي صفحته ومنع تكراره؛ فإن الحكومة الفلسطينية لن تكون مهددة بالشلل فحسب بل تكون، هي وعموم الساحة، مهددة بالعودة إلى النزف السابق؛ المفتوح هذه المرة على الانفلات التام، فالجميع يدرك ان هذه التجربة، التي لم يتم بلوغها إلا بشقّ النَّفَس، ربما تكون الفرصة الأخيرة لترميم البيت الفلسطيني وبلوغ وحدته المنشودة، وها هي الفوضى الأمنية تعود لتطل برأسها من جديد، وليس من أرضية أكثر خصوبة له من أرضية تفاقم الخلاف؛ الذي يبدأ حول صلاحيات لينتهي حيث يريده أعداء الشعب الفلسطيني أن ينتهي.

ولا شك أن إسرائيل تنظر وتتابع الآن مجريات الخلاف الحكومي الحاصل، بعين الرغبة في رؤيته وقد بلغ نقطة الانسداد، وليس صدفة أن تبادر إدارة الرئيس بوش الآن بخطة جديدة، طرحها المنسق الأمني الأميركي، تقوم في خلاصتها على نوع من المقايضة الأمنية، يتوفر بموجبها الأمان التام لإسرائيل مقابل «تكرّمها» بتخفيف قبضة مضايقاتها ومطارداتها على الشعب الفلسطيني، وبعد كل كلامها عن حلّ الدولتين، يتقزّم طرحها إلى هذه الحدود.

إن الوضع الفلسطيني المعطوب من الداخل لا يحملها على طرح ما يتعدى مثل هذه الخطة، الرسالة الأهم أن على الوضع الفلسطيني امتلاك عناصر انتزاع فك الحصار عنه وأنه بغير وحدته وتماسكه لن يقوى على تحقيق ذلك. فمتى تستقيم أموره مع نفسه؟