تنفس شعب البحرين نسيم الحرية بعد أن قبع في المكبوت السياسي لما يزيد على ثلاثة عقود، بعد أن عاش ربيعا قصيرا مع انتخابات 73 النيابية، غير أن ذلك الفصل القصير من تراجيدية الحياة النيابية انتهت بمرسوم قانون امن الدولة الذي كان الطعنة الأخيرة في جسد الحياة السياسية العلنية وعودة العمل السياسي لتحت الأرض والدخول في الأزمة السياسية مرة أخرى بين الشعب والسلطة.

وكان قدوم جلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة للحكم فاتحة خير لفضاء حر جديد عرفته البحرين عام 2000 فقد بدأ الملك بسلسلة إجراءات قلبت الحياة السياسية رأسا على عقب، فتم إلغاء مرسوم امن الدولة سيئ الصيت، بعد إن سبقها بإجراءات تاريخية سيسجلها تاريخ بلادنا كجزء من انجازاته الكبرى، ففتح أبواب السجون وأطلق سراح المعتقلين واصدر قرارات ومراسيم كثيرة من ضمنها عودة المنفيين والحياة النيابية وفتح باب النقاش المفتوح للميثاق كوثيقة سياسية فشهدت البحرين حيوية لم تعرفها من قبل فانطلقت كل المبادرات الشعبية والرسمية في حوار وطني صريح.

في ذلك الربيع السياسي المزدان بالفرحة بكت جموع غفيرة لمشهد لم تره من قبل في قرى البحرين وأحيائها الشعبية كموقف جديد من نوعه. في هذه اللحظة التاريخية جزعت التيارات الدينية وانكمشت خوفا من حياة ديمقراطية مفتوحة للجميع، فقد كانت وحدها تعيش على النفاق السياسي وتحتكر المنابر الدينية كالمساجد وغيرها، فقاومت بشدة في السر والعلن فكرة الديمقراطية وبأنها بضاعة أجنبية مستوردة.

ولم يكن اعتراضهم إلا كاعتراضات تقليدية ثابتة لكل قادم جديد، كما عملوا مع الإذاعة والتلفاز والبنوك وغيرها من وسائل الحداثة والعصرنة، ولكنهم سرعان ما تراجعوا واكتشفوا أن من الضروري استثمار تلك الأدوات لصالحهم، هكذا وجدوا أنفسهم قسرا ينخرطون في اللعبة الديمقراطية فاكتسحوا الدورة الأولى بنواب هيمنوا على المجلس وكانوا فرحين كتيارين هما الأصالة (السلفيين) والمنبر الإسلامي (الأخوان) بالرغم من تململهم من وجود أصوات ديمقراطية وليبرالية وقفت لهم مشاغبة أحرجتهم في المواقف والتآمر من وراء ظهر الناس وخيانة برامجهم التي زايدوا بها أثناء الانتخابات.

ومع ذلك كانوا فرحين بمقاطعة الوفاق كتيار ديني يمثل الشيعة، وهم كما أعلنوا مرارا بأنه الخطر الكبير عليهم وعلى البلاد انطلاقا من رؤيتهم الطائفية، والتي حذر الملك من اللعب بأوراقها أيا كان هذا التيار فالوحدة الوطنية والديمقراطية من الأسس والخيارات الثابتة لمسيرة الإصلاح التي وضع لبناتها لبناء بحرين المستقبل.

في الدورة الثانية قرر الوفاق المشاركة بعد أن اكتشف أن المقاطعة رهان خاسر، فاكتسح الانتخابات بإيصال 17 نائبا للمجلس فأصبح مجلسنا الهمام يسيطر عليه اتجاهات دينية ثلاثة بعد أن اخفق الليبراليون والديمقراطيون من الحصول على مقعد واحد.

بتلك التركيبة للهيمنة الدينية في المجلس كان البعض يعتقد أن الوفاق لن يتحالف من الخلف أو يتواطأ ضد المشاريع الوطنية والتي تدافع عن الجميع، ولكن النزعة الدينية تغلبت على كل المعايير والتقديرات فأصبح أعداء الامس في الحملات الانتخابية يمارسون طبخاتهم وتكتيكاتهم في مناهضة القضايا التنويرية فوقفوا بصورة جماعية ضد ربيع الثقافة دون تحفظ، وهاهم يشنون بكل أنواع الرياء والتضخيم باسم الدين والتقاليد.

ولكن المجتمع المدني وقف مؤازراً ربيع الثقافة، وتلعثمت ألسنتهم بعد أن صرح ولي العهد بأن ذلك الموقف لا يناسب المشروع الإصلاحي والوجه الحضاري للبحرين، فكانت رسالته واضحة ساهمت في إطفاء جذوة التشدد إزاء الثقافة والمثقفين، ومع ذلك سرعان ما عادت الترويكا الدينية في مجلس النواب برفضهم القانون العصري للصحافة حول مادة عدم حبس الصحافيين معلنين تعنتهم التام وكأنما يرون في الصحافة الجهة التي تلجمهم في الممارسات المناهضة لمصالح الناس في المجلس وبتلك الطريقة يكممون صوت السلطة الرابعة.

والأدهى من ذلك أن الترويكا الدينية من خلال اللجنة التشريعية والقانونية في المجلس أوصت بعدم رفع الحصانة عن النائب الذي طلب وزير العدل الإذن برفع الحصانة عنه في قضية جنح القذف والشتم التي رفعها ضده رئيس التحرير ورئيس جمعية الصحفيين البحرينية عيسى الشايجي، زاعمين بأنها قضية كيدية!! رغم تحقيق النيابة العامة في الموضوع وتوجيه خطاب رسمي من النائب العام يطلب إذن رفع الحصانة عن النائب (محمد خالد / المنبر الإسلامي) للتحقيق معه.

من جديد تنكشف اللعبة في وضح النهار، وسيرى شعب البحرين اليوم الثلاثاء، الثامن من مايو الحقيقة في طلب وزير العدل، حيث يكشف الجميع عن مواقفهم بكل وضوح ضد الصحافة التي في يومها الاحتفالي التقى الملك بالصحافيين في كلمته السامية مشيدا بدور الصحافة في خطابه في اليوم العالمي للصحافة:

إن الصحافة تقف اليوم مع السلطات الثلاث لحمل مسؤولية العمل وأمانة الكلمة في سبيل تطوير واقعنا الوطني،. وقد بدأت حيوية المجتمع المدني في الدفاع عن الحريات العامة كما حدث مع ربيع الثقافة، إذ ترى البحرين نفسها اليوم في مفترق طرق بين عربة ترغب جر البلاد إلى الوراء وبين رؤية حداثية تود اللحاق بحركة التطور ومتغيرات العالم المتسارعة.

ما تشهده البحرين من صدامات حضارية في الحوار والاختلاف لا يتسع لها صدر من سعوا لمدة طويلة الاختطاف أهم المفاتيح في جسم الدولة، وهاهم يحاولون اختطاف بيت الشعب والمرور من خلاله نحو تحقيق أهدافهم، فقد أثار هذه الأيام رد وزير الإعلام المرسل إلى مجلس النواب الذي أوضح فيه أن وزارته تعتزم تكثيف البرامج الدينية والاتفاق مع دعاة لتقديمها، وكشفه عن أن توجيهاته لجهاز الرقابة في الوزارة بتشديد الرقابة على ما يبث من برامج إذاعية وتلفزيونية.

أثار ردود فعل معارضة لهذه التوجهات عكست نفسها في الصحافة والرأي العام، ووصفها متحدثون بالمتشددة وأنها إعلان وفاة للتعددية والحرية وأن تليفزيون البحرين صار طالبانيا ويحلق في فضاء لا علاقة له بالبحرين التي نعرفها.

وهناك من التحركات الخفية بين الترويكا لمواجهة قانون الأحوال الشخصية باقتتال شديد مهما كلف الثمن. وبتلك الحرارة السياسية يضع وزير الإعلام البحريني في عنقه الحبل نتيجة ميوله للإخوان وخوفه منهم مما يجعله في مهب الريح. هناك همس مستمر بأن تلك الوزارة ما عادت مجدية بتلك الصيغة فقد وقف الوزير مع الإخوان والأصالة في مواجهة الثقافة والسياحة بإجراءات تعسفية أثّرت على الاستثمارات ومكانة البحرين الاقتصادية والحضارية.

كاتب بحريني