الرعب من الإسلام في أوروبا ظاهرة متفاقمة تشغلنا عنها التداعيات المرتبطة بالصراع العربي الصهيوني والوجود الأميركي في العراق على نحو يجعل كل كلمة ضد الإسلام أو المسلمين في أميركا موضوع اهتمام وتضخيم كبيرين، رغم أن الشواهد تتوالى بشكل متسارع من عدة عواصم أوروبية تؤكد أن الإسلام يواجه المحنة الأخطر بينما عيوننا وعقولنا مشدودة إلى الجانب الآخر من الأطلسي.

**خطر على السياسة والمجتمع

أول الشواهد أن الموقع الإلكتروني للدويتش فيلله بث تقريرا خطيرا عن تناول القناتين الألمانيتين الحكوميتين الأولى والثانية للإسلام بشكل سلبي حتى أن 80 % من الحالات التي تناولوها صورته خطرا على السياسة والمجتمع، الدراسة أجراها البروفيسور كاي حافظ والأستاذة كارولا ريشتر من قسم الإعلام بجامعة إيرفورت الألمانية وفيها ركزا بالتحديد على دراسة كيفية معالجة القضايا الإسلامية في قناتي التلفزيون الحكوميتين الأولى ARD والثانية ZDF على مدار عام ونصف.

ومن النتائج التي توصلا إليها أن القناتين ساهمتا في الترويج لتصورات سلبية تقوم على أحكام مسبقة عن الإسلام وهو ما أدى لزيادة المخاوف منه وتكريس أجواء صراع الثقافات داخل المجتمع الألماني، ولأن أغلبية المواطنين الألمان لا يرتبطون بعلاقات مباشرة مع جيرانهم المسلمين أو العالم الإسلامي، فإن تصوراتهم عن الإسلام مستمدة بشكل كبير من تقارير وسائل الإعلام.

أظهرت دراسة أن أكثر من 80 % من برامج محطتي التلفزيون الألمانيتين الأولى والثانية تركز على السلبيات في تناولها للقضايا الإسلامية، الدراسة تدعو إلى تجنب ذلك من خلال فهم خلفيات هذه القضايا ومعالجتها بشكل موضوعي. وحللت الدراسة صورة الإسلام والمسلمين في 133 مادة سياسية بثتها القناتان بين يونيو 2005 وديسمبر 2006 وتنوعت هذه البرامج بين تسجيلية ووثائقية وتحقيقات وتقارير أو برامج حوارية شهيرة.

وكثير من البرامج التلفزيونية تقدم الإسلام كخطر سياسي اجتماعي، وتربطه بقضايا العنف والنزاعات وأوضحت الدراسة أن 31 ,23 % من المواضيع المتعلقة بالإسلام في برامج القناتين دارت حول الإرهاب والتطرف ولم تشمل تغطيتهما للقضايا الدينية ازدياد النزاعات العنيفة والمتطرفة في أديان أخرى.

كما أن التقارير المحايدة أو الإيجابية حول الإسلام والمنتمين إليه لم تتجاوز 19 % مما تم تقديمه تشير النتائج أيضا إلى أن مقدمي البرامج عمدوا في أكثر من 80 % من الحالات التي تناولوها إلى تصوير الإسلام كخطر على السياسة والمجتمع. كما عمدوا إلى تقديمه كأيدولوجيا سياسية ذات منظومة مخالفة للأنماط السلوكية السائدة في المجتمع الألماني، إضافة إلى ربطه بقضايا العنف والإرهاب واضطهاد المرأة ومشاكل الاندماج والتعصب الديني.

**الزمن المختوم

عرفت السنوات الأخيرة إصدار العديد من الكتب التي تعالج أسباب تأخر العالمين العربي والإسلامي. المؤرخ والمفكر اللامع دان دينر وفيه حلل خلفيات تأخر العالم العربي فتوصل إلى أن «قدسية» لغة الضاد العائق الأكبر أمام لحاقه بركب الحضارة!

ذلك أن أحد أهم أسباب الجمود الذي يعيشه العالم العربي يعود إلى رؤية العرب للغتهم حيث يسيطر المقدس على الدنيوي، فاللغة العربية لغة مقدسة لأنها لغة دينية، وإدخال تغييرات عليها من شأنه أن يخل بقدسيتها. إنه الصدام إذن بين لغة النص القدسية والمختومة والنهائية ولغة العصر الديناميكية، والمنفتحة والمتغيرة باستمرار.

والحضور الطاغي للمقدس في نظر دينر يحول دون إدخال إصلاحات جذرية على اللغة العربية، وإلى نوع من الانفصام اللغوي (الشيزوفرينيا اللغوية)، فلغات الواقع تختلف وتتناقض من حيث عفويتها مع لغة النص المقدسة والنافرة من كل تغيير. كما أن قداسة العربية أو دينيتها وقفت ولا تزال تقف أمام نشر أوسع للمعارف.

وحسب قول دينر فإن تلك النقطة بالذات لها علاقة مباشرة بالهوة المتسعة بين الإصرار على شعور المجتمعات العربية بالقيمة الذاتية التي تنتج عن التفوق الديني الاجتماعي المزعوم وتكذيبها المستمر للحقيقة الواقعية الجلية من خلال تمسكها بالتحليل القديم للنصوص المقدسة للقرآن والوقوف عندها، كان يجدر أن يكون ذلك التقرير دافعاً قوياً من شأنه أن يقود العالم العربي لانتقاد نفسه كشرط أساسي للدخول في التغييرات الايجابية الجذرية من خلال المقارنة بين الصورة الخاصة التي قد رسمتها الشعوب العربية والواقع.

**هلال بوابة براندنبرج

والرعب من الإسلام لا يقتصر على تشويه صورة المجتمعات العربية والإسلامية وحسب بل يمتد ليشمل تحريضا خطيرا على مسلمي ألمانيا الذين لا يتجاوزون 4 % من سكانها، مؤخرا هولت مجلة «دير شبيغيل» من أخطار «التزايد الخفي المستتر للتيارات الإسلاموية» في ألمانيا، فكلما تعلق الأمر بملف الاصطدام مع الدين الإسلامي «الحافل بالخطر»، بات تجميد العقل والمنطق بحكم الأمر الروتيني الاعتيادي.

ففي موضوع «دير شبيغيل» المشار إليه عنوانه حافل بالإثارة وهو: «ألمانيا...مكة الجديدة» تزايد خفي مستتر في التيارات الإسلاموية» وعلى الغلاف بوابة براندنبورغ في العاصمة برلين وعليها صورة هلال يوحي بالخطر النابع من الأتراك (المسلمين).

وهذا العنوان يعكس في آن واحد أحد أعراض تيار واسع الانتشار في ألمانيا فحواه أن المسلم في حد ذاته يشكل خطرا أكيدا والبعض حتى داخل أوساط ذوي الثقافة الرفيعة بدأ يشعر بأن «الغرب المسيحي» بات عرضة للخطر، وتوجد منذ فترة طويلة جبهة «تضامنية» تبث عبر شبكة الإنترنت حملات ضد «تزايد التيارات الإسلاموية».

تحذر الجبهة من مغبة ظهور «أورابيا» أي من امتزاج أوروبا ببلاد العرب وتطالب بلغة رنانة مثيرة بتقوية أعمدة الدولة إلى أكبر حد رافعة في هذا المجال شعارات مثل «ينبغي تحريم الإسلام في أوروبا» كما أنها تتناقش حول «مخاطر وتداعيات الدين المحمدي» وتستخدم عبارات تحتوى على القذف بتعاليم الصلاة عند المسلمين أو تصم المهاجرين بأنهم «من أنماط القمامة».

وقد وقع مؤخرا حدث كان مدعاة للفرح بالنسبة لمن يعتبرون أنفسهم حصنا لإنقاذ الغرب المسيحي إذ تقرر إنشاء «حزب مناوئ للإسلام» إذ أعلن عن تحويل منظمة تسمى «باكس أوروبا» (سلام أوروبا) إلى حزب سياسي سيشارك في الانتخابات المقبلة لبرلمان ولاية هامبورغ.

إن درجة من التوازن في الاهتمام بالعلاقات الحضارية والثقافية بيننا وبين الغرب الأوروبي يستلزم قدرا أكبر من الاهتمام بقضاياه وبخاصة القضايا غير السياسية بدلا من الغرق في المستنقع الأميركي الذي تفرضه علينا الأجندة السياسية المباشرة، وما تشهده ألمانيا مجرد نموذج فمسلمو أوروبا يواجهون مشكلات حقيقية وصورة الإسلام في الثقافة الأوروبية مشوهة بشكل مخيف، ولهذا فإن أوروبا دون مبالغة مرعوبة من الإسلام.

كاتب مصري