المؤتمر الإقليمي ـ الدولي الذي اختتم أعماله، في شرم الشيخ، حول الوضع في العراق، شهد مداولات ولقاءات مكثفة؛ وصدر عنه توصيات ودعوات؛ تناولت مختلف جوانب الأزمة، بحث في الحالة الأمنية كما في الخطة الخمسية الاقتصادية، فضلاً عن العملية السياسية وعن المطلوب من دول الجوار.

لو جاز تلخيص وتمحيص ما انتهى إليه لكانت عبارة «المصالحة الوطنية» المطلوبة هي العنوان والزبدة. كل الطروحات تقاطعت مع هذا المطلب باعتباره «السبيل السليم لوقف مسلسل العنف ونزيف الدم في العراق». غالبية الكلمات والمواقف أشارت إلى مركزية ومحورية هذا المدخل الذي تكرر ذكره كممر إجباري لنجاح أي مشروع خلاص لهذا البلد، ومن هنا كان تكليف دول الجوار للجامعة العربية، العمل على عقد مؤتمر المصالحة المنشود.

لكن هذا الإلحاح على ضرورة إنجاز هذه العملية، قديم. كما أنه سبق للجامعة العربية أن قامت بمحاولة من هذا النوع. من أجل المصالحة عقدت جولات من اللقاءات في بغداد، قام بها أمين عام الجامعة العربية ومساعدوه، ثم انتقلت الحركة إلى القاهرة، وحصل اجتماع لمختلف القوى في مقر الأمانة العامة للجامعة هناك.

بيد أن المحاولة عجزت عن تحقيق المرغوب.. اغتالتها التطورات الأمنية المتدهورة والتعقيدات السياسية العاتية. بل بالأحرى تُركت لتغتالها تلك التطورات.. والسبب كان غياب الإرادة المحلية،أو تعطيل تلك الإرادة، وربما كان في الإثنين معاً.المهم أن تلك المحاولة غابت عن الشاشة. ومع مثل هذا الغياب تواصل التردي والتدهور. وبين الفينة والأخرى انعقد أكثر من مؤتمر لدول الجوار. لكن من غير جدوى.

الانهيارات الأمنية أخذت تتفاقم وتهدد بكوارث. ثم حصلت محاولة أخرى جديدة، وعقد لقاء مكة بحضور قوى وجهات عراقية مختلفة. جرى التوقيع على ما يشبه التعهد بالعمل على وقف العنف وتحريم الدم العراقي. غير أن النزف لم يتوقف. بل استفحل وأخذ منحى وضع البلد على قاب قوسين من انفلات تام لحبل الحرب الأهلية الواسعة. طلعت إدارة بوش بما يسمى «الخطة الأمنية». مع ذلك بقي شلال الدم على حاله وأكثر. إلى أن جاء شرم الشيخ وبأوسع حضور دولي وعربي وإقليمي، حتى الآن.

من جديد عاد المؤتمر إلى البداية التي لا بديل عنها: المصالحة. ومن جديد عاد إلى تكليف الجامعة بالمهمة ذاتها. لا ريب أن هذه الأخيرة ستكرر المحاولة. لكن كما كان في المرة الأولى وفي كافة المحاولات التي سبقتها أو لحقت بها، يبقى نجاح أي جهود مرهوناً أولاً وأخيراً باستعداد الأطراف العراقية للعودة إلى طاولة الحوار للخروج منه بتوافق وطني فعلي، يشكل البوابة إلى السيطرة على الوضع من أجل إطلاق عملية إعادة بناء العراق الواحد الموحد.

تجربة السنوات الأربع العجاف تكشف بوضوح أن الخلاص من التدمير الذاتي كما من نير الاحتلال، مفتاحه بيد العراقيين ومصنوع محلياً. طبعاً هناك عوائق وحواجز برانية. لكن هذه العوائق لا تفقد من القدرة على التحكم بالمشهد العراقي إلا بقدر ما يبدي العراقيون من نزوع استقلالي اعتراضي إزاءها. مهمة ليست سهلة على الأرض. لكن لا بديل عنها من أجل قيام العراق من جديد.