رغم ما يحيط بهم من ظروف تميزهم عما تبقى من نظرائهم العرب، لم يسجل أبناء الشعب الفلسطيني هذه المرة أيضاً أي اختلاف عما يحيطهم من أبناء الشعوب العربية الأخرى، بعد أن انطلت على عقولهم خدعة أن لديهم سلطة وسيادة وعلم تحميهم وتعود عليهم بالفائدة في يوم أسود وراحوا يخلطون الحابل بالنابل والصالح بالطالح، وأشاحوا النظر عن السبب الأصلي لمصائبهم ونكباتهم ونكساتهم، وكل هذا الألم الذي يعتصر قلوبهم:

الاحتلال، الذي لم تحن الفرصة بعد حتى تطوى صفحته وتنكفئ الجموع عنه عائدة إلى معالجة شؤونها الداخلية بالطريقة التي عرضت لها وسائل الإعلام مؤخراً، بعد أن ثبت عجز ما سمي بحكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية عن تلبية احتياجات أبناء الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع، رغم أن هذه الحكومة جاءت إثر مخاض عسير وصولات وجولات ونزيف دم داخلي وخارجي على حد سواء.

وفي أعقاب ما بدا للعيان توافقاً إقليمياً ودولياً حول هذه الحكومة، التي تشير جميع المعطيات المتوفرة حتى الآن إلى أنها ستلقى مصير نظيراتها السابقات لأن استراتيجية حرق المراحل أثبتت فشلها منذ الأزل، ولأنه للوصول إلى مرحلة الدولة ومؤسساتها لا يزال أمام الشعب الفلسطيني مشواراً طويلاً لا بد من قطعه في مقارعة القوة الضاربة للاحتلال الصهيو ـ إمبريالي الغاشم.

لا ليس من طبائع الشعب الفلسطيني النزول إلى الشارع بكل قواه مطالباً إلى حد الاستجداء برغيف خبز هو أعلم من غيره بالأساليب اللائقة للحصول عليه، خاصة وأن تجربة وكالة الغوث «الأونروا» التابعة للأمم المتحدة لا تزال ماثلة أمام الجميع. هذه الوكالة أمنت رغيف الخبز لقطاع واسع من الشعب الفلسطيني في مواقع الشتات، لكن ورغم ذلك، ظلت محط انتقاد الجميع لما عنته هذه التجربة من مهانة انتظار الغير لسد رمق أبنائنا، خاصة وأن طوابير انتظار استلام مؤونة الطحين والسكر وعلبة السردين لم تغب بعد عن المشهد الفلسطيني ولا يزال نحو ستة ملايين فلسطيني يحملون بطاقة المؤونة تلك.

السؤال هو: هل ما يريده الشعب الفلسطيني بعد كل هذه التضحيات هو ضم ما تبقى من أبنائه إلى ركب المنتظرين أذلاء في تلك الصفوف الطويلة بالمعنيين الجغرافي والزماني؟

فبينما سيطرت خلال سنوات الانتفاضة الفلسطينية الأولى، في نهاية ثمانينات القرن الماضي، روح كفاحية منقطعة النظير، تمكنت من استنباط آليات ناجعة لمواصلة العيش بكرامة، تجلت بممارسات حياتية ومصطلحات نظرية جديرة بشعب يرزح تحت وطأة أبشع صنوف الاحتلال في التاريخ، على غرار الاقتصاد المنزلي والتعليم الشعبي والاكتفاء الذاتي، الذي وصل به الأمر إلى حد تأليف الكتب حوله.

حيث لا يزال عنوان مؤلف د. عادل سمارة ماثلاً في الذاكرة وكأن الأمر حدث بالأمس القريب ـ بينما تزخر الذاكرة الكفاحية للشعب الفلسطيني بتجارب ناصعة لامعة من هذا القبيل، تغص المرحلة الراهنة التي يعيشها أبناء الضفة والقطاع بشعارات رسمية وشعبية مطروحة في الشارع حتى من خلال التظاهرات تطالب الجلاد بصرف ما بات يعتبر وهماً مستحقات مالية يتعين على المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي دفعها لمن هو أصلاً ضحية ممارسات ومؤامرات هؤلاء المانحين.

يتضح من خلال إلقاء نظرة عابرة على هذا المشهد البائس اننا أمام وليد مشوه في الحالة الثانية ووليد تشرق من محياه أصالة ملامح التجربة الفلسطينية في الحالة الأولى.

وإذا كانت المشكلة تكمن في تحصيل أكبر قدر ممكن من الأموال بصرف النظر عن مضمونها وأسلوب الحصول عليها، فلماذا قام العالم ولم يقعد بما في ذلك القيادة المتنفذة في منظمة التحرير الفلسطينية وفصيل أو اثنين من فصائلها عندما كانت تلجأ بعض الفصائل الفلسطينية إلى العنف لتأمين هذا الجانب المادي من حياة الثورة الفلسطينية المعاصرة؟

هذه ليست دعوة إلى انتهاج هذا الأسلوب لتحقيق جانب من مصالح الشعب الفلسطيني، لكن يتعين على الماسكين بزمام شؤون هذا الشعب المضطهد والمقهور ألا يوغلوا في دفعه إلى مواقع أكثر يأساً وبؤساً تحجب عنه الرؤية وتفقده شيئاً من قدرته على تمييز الأهداف، في حال استمرار الوضع القائم الغائبة عنه آفاق أي حل قادر على أن يؤمن له ولو الحد الأدنى من متطلبات العيش الكريم والحفاظ على شيء من كرامته المهدورة منذ أكثر من قرن من الزمان.

basil@albayan.ae