قبل أيام فقط عثر علماء نمساويون في مدينة إيفيس التركية على أول مقبرة تضم 67 شخصا ممن كان يطلق عليهم gladiator - من gladius اللاتينية. وهؤلاء هم من العبيد أو أسرى الحرب في روما القديمة، الذين كانوا حتى بداية القرن الميلادي الخامس يجبرون في ساحات السيرك المغلقة على استعراض مهاراتهم القتالية في منازلة حتى الموت فيما بينهم أو مع الحيوانات المفترسة. ويحدث ذلك من أجل إمتاع الأسياد.
ولصدف التاريخ أنه قبل أيام أيضا خرج أكثر من مليون من الأتراك، لكن الأحرار والواعين سياسيا هذه المرة، ومسرحهم كل مدينة اسطنبول، وقبلهم بأسبوعين مئات الآلاف في العاصمة أنقرة، لا ليمتعوا الأسياد في سدة الحكم، بل ليقولوا لهم إنهم مدركون أنه إذا ما تحققت نزعة حزب العدالة والتنمية الإسلامي الحاكم لاحتلال رئاسة الدولة إلى جانب الأغلبية البرلمانية ورئاسة الحكومة فستكون خلطة (السياسة - الدولة) قد اكتملت.
وسيكون على تركيا العلمانية السلام. إنهم يعلنون رفضهم لخرق الدستور إرضاء لنزعة الهيمنة هذه، وعن تمسكهم بالنظام العلماني واستعدادهم للدفاع عنه. وكل ذلك يحدث بصورة حضارية واحتكاما للدستور وقرارات المحكمة الدستورية. وما كان لأمر أن يفسد هذه الصورة لولا أن قيادة القوات المسلحة التركية، كعادتها، أطلت برأسها لتعلن أن الجيش هو حامي عملية بناء الدولة العصرية وحارس النظام العلماني.
هذه الأحداث بدأت مع قرب حملة انتخابات الرئيس الحادي عشر للجمهورية التركية الذي يفترض أن يصبح سيد قصر تشانكاي ابتداء من 16 مايو الجاري. تركيا كلها الآن مشغولة بهذا الحدث الذي سيحدد مسار البلاد خلال السنوات السبع القادمة، وربما لمدى أطول. فقد تبلور الاستقطاب واضحا هذه المرة على أساس قضية سياسية داخلية بحتة: الرئيس الحالي ومعه الجيش، النقابات والمنظمات الاجتماعية الرئيسية، عمداء الجامعات، الأحزاب المعارضة الرئيسية وفعاليات مجتمع المال والأعمال من جهة.
ومن الأخرى حزب العدالة والتنمية الحاكم الذي حقق فوزا كبيرا في الانتخابات البرلمانية عام 2002 ثم ثبت انتصاره في السلطات المحلية الأخرى وبحكومة الحزب الواحد والأغلبية البرلمانية التي تسمح له باتخاذ ما يحلو من القوانين والقرارات الرئيسية دون اعتبار لمواقف المعارضة السياسية وقوى المجتمع الأخرى. لكن حزب العدالة والتنمية قرر هذه المرة أن يزحف ليبسط سلطته على رئاسة البلاد أيضا.
بداية رشح رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان نفسه لهذا المنصب فأثار استياء واسعا لدى الشارع حيث خرجت في العاصمة أنقرة مسيرة نصف مليونية هي الأكبر في تاريخ تركيا دفاعا عن نظامها العلماني. وطالب المتظاهرون بأن يكون رئيس الجمهورية شخص لا يمثل مصالح حزب بعينه.
ومع التأييد الكبير الذي حصل عليه في داخل حزبه ومنظماته الجماهيرية، إلا أن «حكماء الحزب» حذروا من أن ابتعاد أردوغان عن رئاسة الحزب ستؤدي إلى انهياره الحتمي. والحقيقة أنه ليس في هذا التنبؤ أي ضرب من الوهم بناء على التجربة التركية السياسية ذاتها. فمثل هذا المصير واجهه حزب الأمة التركي بعد أن أصبح قائده تورغوت أوزال رئيس تركيا التاسع، وحزب الطريق الصحيح عندما ترك سليمان ديميريل قيادته ليصبح الرئيس التركي العاشر.
لقد نشبت في الحزبين صراعات داخلية ذهبت بريحهما من على مسرح الحياة السياسية الداخلية إلى حد بعيد. ولهذا عمد الحزب إلى تقديم نائب الرئيس ووزير الخارجية عبد الله غول للبرلمان كمرشح لرئاسة تركيا، حيث أن البرلمان هو الذي ينتخب رئيس البلاد من خلال عدة جولات.
أحزاب المعارضة الرئيسية ممثلة في حزب الشعب الجمهوري وحزبي الأمة والطريق الصحيح لم تطرح أي مرشح قبالة غول. لكنها امتنعت أيضا عن المشاركة في التصويت لتحجب عنه النصاب المطلوب في الجولة الأولى من الانتخابات. لقد صوت له 357 نائبا (الحزب الحاكم يحتل 353 مقعدا)، ولم يستطع اختراق حاجز الـ 367 في البرلمان (المجلس) المكون من 550 عضوا.
أصبح واضحا أن حزب العدالة والتنمية الإسلامي لن يستطيع بأي حال تأمين الأغلبية الدستورية في أي من الجولات القادمة لانتخاب الرئيس في 6 مايو (يوم أمس)، 9 مايو، 12 مايو ويخطط أن تجري الرابعة يوم 15 مايو.
ومن هنا حدة الأزمة الحالية التي تشهدها البلاد. فمن جهة قضت المحكمة الدستورية (تسعة ضد اثنين) ببطلان نتائج الجولة الأولى التي شارك فيها 361 نائبا فقط، ومن الأخرى أصدر الجيش بيانا نشره موقعه على الإنترنت يذكر بأنه «يجب ألا يكون هناك أدنى شك» بأن الجيش هو المدافع الحاسم عن النظام العلماني .
وأنه لن يتردد عن إبداء «موقفه الواضح والمفتوح عندما تقتضيه الضرورة»! ملمحا بأن هناك قوى تهدف إطاحة النظام القائم. ورغم أن الخبراء يعتقدون أن الجيش لا يشكل القوة الحاسمة في الأزمة الراهنة كما في السابق، إلا أن الحنين إلى هذا الدور يظل ماثلا. فلثلاث مرات (في أعوام 1960، 1971 و1980) قام الجيش بانقلابات عسكرية.
ورغم تراجع موقعه في العملية السياسية إلا أن ضغطه عام 1997 أدى إلى تنحية زعيم الإسلاميين نجم الدين أربكان من رئاسة الحكومة. ولهذا فمنذ 12 ابريل صرح قائد أركان الجيش التركي الجنرال ياشار بيوكانيت أن الرئيس الجديد يجب أن يكون مخلصا للنظام العلماني «ليس بأقواله، بل بجوهره». ورغم أن هذا التصريح يشير إلى عيب كبير في الديمقراطية التركية، إلا أنه يجب أن يؤخذ على محمل الجد.
لعل الرئيس الحالي أحمد نجدت سيزر أكثر من أشار إلى البعد الإقليمي لأكبر خطر يواجهه النظام السياسي التركي الحديث منذ وجد. إن قوى داخلية وخارجية تسعى لإقامة ما يسمى «بجمهورية الإسلام الليبرالي» على أنقاض النظام العلماني في تركيا، كنموذج «لتحديث» نظم الدول الإسلامية الأخرى! وبذلك يتم إلغاء نظام دولة القانون العلمانية الديمقراطية المستعدة لتقديم خبرتها في عمليات بناء الدولة العصرية بالنسبة لسائر بلدان المنطقة - كما أشار إلى ذلك الرئيس سيزر.