الذين تابعوا مجريات الأحداث في الأسبوع الماضي وشواهده الجديدة، لابد أنه أثارت اهتماماتهم عواصف عديدة قلبت مشاهد قريبة وبعيدة في المحيط الإقليمي والدولي بشرقنا العربي والإسلامي، بينهما شاهدان ومشهدان الأول إسرائيلي والثاني أميركي، يلزم التوقف أمامهما بقدر من القراءة يكفي لاستخلاص نتائجهما الإيجابية أو السلبية، وبشيء من التعليق يعيد تأكيد الثوابت ويزيد تحديد المواقف تجاه قضايانا الرئيسية.
1 - التسونامي اللبناني
أما عن العواصف التي قلبت المشاهد، فتأتى في مقدمتها عاصفة الحرب العدوانية الإسرائيلية على لبنان، والتي ارتدت إعصارا على إسرائيل بعدما حولها «الفشل الذريع» طبقا لتقرير لجنة التحقيق الإسرائيلية برئاسة «فينوجراد» إلى «تسونامي سياسي» في «تل أبيب» أحدثته إرادة المقاومة الشعبية اللبنانية، بما يطال ثلاثي الفشل الصهيوني «إيهود أولمرت» رئيس الحكومة، و«عمير بيريتس» وزير الحرب، و«دان حالوتس» رئيس الأركان الذي استقال بعد ثبوت إخفاق جيشه المقهور في مواجهة رجال حزب الله الصامدين في جنوب لبنان.
لقد أكدت لجنة التحقيق في إخفاقات حرب لبنان في تقريرها إلى أن مسؤولية الفشل في هذه الحرب تقع على عاتق «ثلاثي الفشل» بسبب ارتكابهم أخطاء فادحة في الإعداد للمعركة.
وقال فينوغراد في مؤتمر صحافي إن أولمرت اتخذ قرار إعلان الحرب بتسرع ودون عرض أي خطة عسكرية مفصلة عليه، بل إنه لم يطلب ذلك!كما أنه لم يقم بالمشاورات اللازمة خارج إطار الجيش ولم يأخذ في الاعتبار بشكل كاف التحفظات السياسية والمهنية التي سلمت إليه قبل اتخاذ قراره بدخول حرب 12 يوليو الماضي.
وأكد التقرير أن أولمرت مسؤول عن عدم تحديد أهداف الحملة بوضوح وبدقة، معتبرا أنه «لم يقم بتكييف خططه بعدما تبين أن التوقعات من تحركات إسرائيل لم تكن واقعية ولم تكن لتتحقق».
وحملت اللجنة بيرتس المسؤولية عن عدم توظيف القدرات المتوفرة لدى الجيش في المعركة مع حزب الله، وأرجعت ذلك إلى عدم امتلاكه المعلومات الدقيقة عن هذه القدرات وكذلك لافتقاره للخبرة كما حملت حالوتس مسؤولية سوء تقدير استعدادات الجيش للحرب وسوء تقدير استعدادات حزب الله.
وفيما اعتبر الرأي العام الإسرائيلي أن حكومة أولمرت بشقيها السياسي والعسكري هى المسؤولة عن هذا الفشل الذريع خرج الإسرائيليون في مظاهرات مطالبين باستقالة أولمرت وحكومته، بينما يحاول أولمرت الذى تدنت شعبيته إلى 6%، أقصى درجات فقدان الثقة، البقاء في الحكم برغم ذلك فإنه لم يلق مساندة إلا من الرئيس الأميركي «بوش» حليفه الاستراتيجي في العدوان على فلسطين ولبنان .
خرج اللبنانيون من أنصار المقاومة الوطنية بمسيرات في عدد من المدن اللبنانية تشيد بانجاز حزب الله في صموده البطولي في معارك حرب الثلاثة وثلاثين يوما، بما أفشل العدو في تحقيق أي من أهدافه، فلا الجيش الصهيوني المدعوم أميركيا استعادة أسراه، ولا استطاع نزع سلاح حزب الله، ولا تمكن من البقاء بقواته جنوب الليطاني في جنوب لبنان، واضطر إلى وقف القتال رغم الدفع الأميركي باستمراره بعد أن بدا الخيار بين التوقف والاستمرار هو نفس الخيار بين الانتحار أو الاندحار.
وظني، وليس كل الظن إثم أن هذا التقرير يثبت أن «المقامرين» الحقيقيين في هذه الحرب كانت قيادة العدو السياسية الصهيونية التي لم تضع خطة ولم تحسب حسابا، بل ولم تقدر قدرات من ستشن عليه العدوان، وليست قيادة المقاومة الوطنية اللبنانية، وأن المغامرين الحقيقيين كانوا عصابات الجيش الإرهابي الصهيوني وليس رجال المقاومة الوطنية ضد الاحتلال والمدافعة عن كل لبنان ضد العدوان.
بينما اعتقد أن هذا التقرير وبعد سماع عشرات الشهود العسكريين والسياسيين الصهاينة يمكن أن يقدم حقائق ليست مجروحة، معلوماتية موضوعية، وقضائية لا عاطفية للذين شككوا في الفشل الصهيوني، وبالتالي في النصر اللبناني وظنوا بالمقاومة الظنون، وبعض الظن إثم، يمكنه مساعدتهم على مراجعة ضمائرهم ومواقفهم، وإن تمادوا، وإعادة صياغة أقوالهم وأفعالهم،إذا أرادوا، بما يحقق لهم شجاعة المراجعة لا التراجع، ولأوطانهم ولأمتهم كرامة النصر لا عار الهزيمة، بعد شهادة 70 شاهدا من أهل العدول من أهل المقاومة.
2 - التسونامي العراقي
«فى قلب العاصفة» عنوان الكتاب الجديد الذي أصدره «رئيس المخابرات المستقيل» جورج تينيت الأسبوع الماضي كشاهد جديد من أهل المعتدين على العراق وفلسطين ليضيف عاصفة حارة جديدة في سلسلة العواصف السياسية المتوالية التي تضرب البيت الأبيض الأميركي والتي تكون في مجملها «تسونامي سياسي» في واشنطن أحدثته إرادة المقاومة الوطنية العراقية ضد الاحتلال العدواني الانجلو أميركي غير المشروع.
هذا التسونامي الذي يضع الرئيس الأميركي ونائبه ووزير حربه في قلب العاصفة كمتهمين بالكذب والتضليل والعدوان والفشل، نتج عنه حتى الآن الإطاحة بالعديد من الرؤوس من غلاة المحافظين أركان هذه الحرب الفاشلة ضد العراق واحدا تلو الآخر مرورا «برامسفيلد» وزير الحرب ومرورا بنائبه «وولف» مهندس الحرب و«بيرل» منظر الحرب، و«بولتون» الصهيوني السياسي، وليس نهاية بـ «تينت» رئيس المخابرات «سى. آى. إيه» الذي يعتبر أنهم جعلوا منه كبش الفداء بعد انكشاف كذبهم.
تينيت في هذا الكتاب وفى أحاديثه التلفزيونية اتهم بوش باتخاذ قرار الحرب ضد العراق منذ توليه الرئاسة وقبل 11 سبتمبر، كما اتهمه بعدم إجراء أية دراسات أو مشاورات جدية قبل الحرب بما يضمن صحة النتائج، ولم توضع خطة واضحة لما بعد الحرب، واتهم تشيني بالضغط على المخابرات والتلاعب بالمعلومات الاستخبارية لتقديم المبررات التي تدفع الرئيس للإسراع إليها.
وأكد تينيت ما سبق أن اعترف به الرئيس الأميركي بالمخالفة لما سبق أن أبداه قبل استقالته ـ أن العراق لم يكن يملك أسلحة دمار شامل، ولم يكن للرئيس العراقي صدام حسين أية علاقة بالقاعدة، كما نفى تينيت ما أكده الرئيس الأميركي ونائبه ديك تشيني من أن العراق كان يشكل خطرا وشيكا على أميركا يبرر التسرع بإعلان الحرب عليه.
وفى حين انتقد أركان البيت الأبيض ما أورده تينيت وتساءل «سنو» لماذا صمت عن هذا الكلام طوال هذه الفترة بينما هو الذي قدم المعلومات الاستخبارية الخاطئة التي دفعت أميركا إلى الحرب؟ رد تينيت بأنه لم يقدم معلومات خاطئة وانما جرى التلاعب بما قدم من معلومات كما جرى سوء استخدام لجملة قالها عن المبررات المعلنة كغطاء أنها «صائبة في الباسكت» أولت على أنها تأكيد لصحة هذه المعلومات المعلنة، وأكد أنه أبدى رأيه للإدارة الأميركية في حينه ولم يصمت عن الحقيقة.
3 - سقوط «بليراك»
التسونامي العراقي واللبناني ضرب بعواصفه وأمواجه أيضا الضلع الثالث في محور العدوان ومثلث الشر، حيث لم يعد بوش هو وحده من يترنح في قلب العاصفة بفقدان ثقة الرأي العام الأميركي وتدنى شعبيته وخسارة حزبه بينما بدأ العد العكسي استعدادا للرحيل، بل يتأرجح معه في مواجهة الإعصار حليفه الصهيوني أولمرت الذي استقال أحد وزرائه وطالبه الزعيم البرلماني لحزبه «كاديما» بالاستقالة فورا لإنقاذ الحزب بعد أن أصبح عبئا عليه.
مثله في ذلك العضو البريطاني الثالث في ثلاثي العدوان والفشل توني بلير الذي تصفه الصحافة البريطانية باسم «بليراك» تذكرة بفشله في العراق، أجبره حزبه «العمال» على الموافقة على الرحيل من منصبه قبل الأوان بعد أن أصبح هو الآخر عبئا، في محاولة لإنقاذ الحزب من السقوط في الانتخابات بعد أن فقد ثقة الرأي العام البريطاني وفقد المصداقية السياسية بعد سلسلة الأكاذيب ولتبعيته المفرطة للسياسة الأميركية وبعد ثبوت فشل الحرب على العراق وكذلك فشل ما يسمى بالحرب على الإرهاب .
التسونامي الغاضب الذي يطيح في طريقه بثلاثي العدوان والفشل واحدا تلو الآخر ناتج أيضا عن شواهد جديدة وشهود جدد يفضحون خفايا العدوان ونقلت صحيفة «الجارديان» عن وزير الدفاع البريطاني أثناء غزو العراق والمكلف بالعلاقات مع الاتحاد الأوروبي «جيف هون» اعترافه بارتكاب أخطاء قاتلة عند التخطيط لمرحلة ما بعد الحرب في العراق.
حيث قال انه إضافة لهذه الأخطاء فان عدم المقدرة على التأثير على كبار مسؤولي الإدارة الأميركية قد أدى إلى هذه الفوضى التي يمر بها العراق حاليا حتى الآن. وتنقل الصحيفة إن بريطانيا كانت تعارض القرار الأميركي بحل الجيش وقوات الأمن العراقية لكن الجانب الأميركي كان متمسكا بقراره ولم يتراجع عنه. وقال هون للصحيفة إن بريطانيا اختلفت مع الولايات حول أمرين أساسيين بعد احتلال العراق أولهما موضوع حل الجيش العراقي والثاني موضوع اجتثاث البعث.
وأن البريطانيين كانوا لا يدركون تأثير نائب الرئيس ديك تشيني على قرارات الإدارة الأميركية ويقول «كان توني بلير يتحدث إلى الرئيس الأميركي ويقنعه ثم أقوم بالاتصال بوزير الدفاع الأميركي حينها دونالد رامسفيلد وأقنعه ويقوم جاك سترو بنفس الشيء مع وزير الخارجية كولن باول ويتم التوصل إلى تفاهم لكن كنا نتفاجأ بعدها بصدور القرار من جهة أخرى لم نكن على اتصال بها وهو نائب الرئيس ديك تشيني». فمن يحكم من في البيت الأبيض الأميركي؟!
ويبقى السؤال.. هل يتبقى لثلاثي العدوان ومثلث الفشل أي قدر من المصداقية.. أية مصداقية.. فيما يحاولون ترويجه الآن من مزاعم وأضاليل، وما يتحالفون فيه من عدوان سواء ضد المقاومين لاحتلالهم وتدخلاتهم في فلسطين والعراق، والعراق وأفغانستان، والصومال والسودان وسوريا أو لبنان؟.. لا أظن!
كاتب مصري
mamdoh77t@hotmail.com