الوباء الإرهابي، طاعون أسود، ابتليت به ديار المسلمين، بدءاً من أفغانستان، مروراً بالعراق والسعودية، وصولاً للمغرب، عبوراً للعالم المتقدم، ولا يبدو في الأفق القريب ما يشير إلى استعداد المسلمين لتحمل مسؤولياتهم الأخلاقية والدينية عن إيجاد علاج شاف أو واق له، سيستمر هذا الإرهاب وسيزداد ضراوة ووحشية، وإفساداً في الأرض وسفكاً لدماء الأبرياء.
وإهداراً للثروات والموارد ما دمنا نكتفي باتهام (الموساد) والدعاء على (أعداء الأمة) ولعن (التآمر العالمي)، الجناة الفاعلون يفتخرون بالصوت والصورة على الملأ بمجازرهم ومنابرنا الدينية والإعلامية تتطوع بتقديم المسوغات الدينية والسياسية لأعمالهم أو تنفيها عنهم لتلصقها بالصهيونية التي غررت بهم، والمشكلة أن ذلك تصور بعض كبار رجال الأمن، المتطرفون يعترفون ويتوعدون ولا تخرج المسيرات تندد بهم، ألا يستوجب إجرام هؤلاء والذين أساءوا للإسلام والمسلمين كما لم يحصل مثله على امتداد التاريخ، غضبة لله ولدينه من قبل المسلمين عامتهم وخاصتهم؟!
ألا ينبغي أن تهتز منابر بيوت الله لتدين هذا الإجرام الفاحش؟! ألا ينبغي أن تسخر خطب الجمعة لمواجهة فكر الإرهاب والإرهابيين بدلاً من الانشغال بالدعاء للمجاهدين في أفغانستان والشيشان والعراق وفلسطين ولعن اليهود والنصارى؟!
لماذا لم نسمع حتى الآن إدانة صريحة من قبل العلماء والمنابر الدينية للإرهابيين المتطرفين؟!
لماذا يكتفون باستنكار عام لا لون له ولا طعم ـ براءة للذمة ـ ويعقبونه بـ (ولكن) الاستدراكية التي تنفي ما بعدها، ما قبلها ومن باب سياسة مسك العصا من الوسط؟، إن غالبية ضحايا الإرهاب هم مسلمون، سقطوا بأيدي مسلمين وقد بينت إحصائية أميركية أخيرة أن ضحايا الإرهاب في العالم ازداد 40% عام 2006.
في العراق وحده 4 آلاف فإن الذين يسقطون في الجزائر ومصر وتركيا والسعودية وباكستان وأفغانستان تجاوز نصف مليون، ولذلك فنحن الضحية الأساسية للإرهاب وعلينا مسؤولية كبيرة في كشف أيديولوجية ودوافع وأهداف هؤلاء الذين يرتكبون المجازر باسم الإسلام وبخاصة أن هناك 26 حركة إرهابية في العالم، معظمها تحمل أفكاراً إسلامية للأسف وهي في تزايد وتناسل شيطاني مستمر.
هلا تساءلنا: لماذا يتغذى العنف على الإسلام؟! ولماذا يقع بعض الشباب حديثي التدين في أوروبا في فخ التطرف كما سأل جمال خاشقجي؟، لماذا نجحنا (أمنياً) وفشلنا (ثقافياً) في مواجهة الإرهاب مع أن الثقافة هي خط الدفاع الأول؟! ولو كنا نجحنا ـ ثقافياً ودينياً ـ لما ظهرت تلك الخلايا السبع التي ضمت 172 إرهابياً جديداً في السعودية، والمشكلة أن الجماعات الإرهابية لا سياسة العفو تلو العفو أثمرت معها ولا منهج الحوار والنصيحة أفاد إلا كعلاج مسكن وقتي لبعضهم أو معالجات (موضعية) تؤخر الانفجار ولا تلغيه كما يقول ـ مشاري الذايدي ـ وسرعان ما يعودون أكثر وحشية وعدواناً.
لقد دعا مجلس الوزراء السعودي لمحاربة فكر الإرهابيين على مستوى الأسرة والكلمة والموعظة والفتوى، ولكن ترجمة ذلك ـ عملياً ـ أمر صعب المنال ـ حالياً ـ لأنه يتطلب رؤية جديدة في الفكر والتربية والسياسة وتقديم تنازلات ونقد عميق للذات استعداداً لقبول نتائج هذا النقد وتحولاً مؤلماً نحو أرض جديدة، كما يقول الذايدي، إن المعركة فقهية قبل أن تكون أمنية، ولن تفلح جهود المناصحة ولا المصالحة، مادامت المنابر الدينية مستمرة في تكريس ثقافة الكراهية.
ومع ذلك دعونا نستطلع ما هي الدوافع التي تحوّل شاباً يافعاً في عمر الزهور إلى قنبلة بشرية؟!
هناك الدفاع السياسي الذي يفسر الإرهاب كرد فعل للسياسات الأميركية والغربية المنحازة والمساندة لإسرائيل، أو يعلله بوجود القهر السياسي أو البطش والتعذيب للإسلاميين من بعض الأنظمة العربية وغياب الحريات والديمقراطية.
ولكن شعوباً عديدة عانت من الاحتلال والمظالم والسياسات الاستعمارية كالكوريين والفيتناميين والأفارقة وشعوب أميركا اللاتينية، بل حتى الأفغان في ظل السوفييت، ولم تلجأ إلى الإرهاب، ثم ما ذنب مدنيين أبرياء في مطعم أو سوق شعبي أو محطة حافلات وما علاقتهم بالمظالم الداخلية والخارجية؟ ثم ما تفسير العمليات الإرهابية في مصر منذ الأربعينات (مقتل النقراشي والخازندار)؟.
وهناك الدافع الاقتصادي الذي يربط الإرهاب بالفقر والبطالة والضائقة المالية، وهذا لا يفسر كميات الأموال والأسلحة والحواسيب عند تلك الجماعات ولا يجيب عن لماذا لا تلجأ شعوب تعاني أوضاعاً أسوأ إلى العمليات الانتحارية؟
وهناك الدافع النفسي الذي يعلّل الإرهاب بالإحباطات النفسية وهذا لا يستقيم مع الدراسات التي وجدت أن نسبة تلك الحالات وسط الإرهابيين هي نفسها وسط الشعب عامة.
وهناك دافع الجهل بأحكام الدين والانحراف في القيم باعتبار أن هؤلاء فئة (ضالة) ومغرّرة بهم، والحقيقة أن هذه التسمية غير دقيقة تماماً من الناحية الشرعية والمعرفية، لأنه أولاً: لا يلزم من كون الإنسان ضالاً أن يكون إرهابياً، ومعظم الضالين أحرص الناس على الحياة.
وثانياً: بحسب أصول المذهب السلفي، كل الفرق المخالفة فرق ضالة مصداقاً لحديث (الفرقة الناجية) مع أنهم ليسوا إرهابيين. وثالثاً: السؤال: من ضلّلهم؟ أليسوا بعض مشايخ السلفية الذين درسوا عليهم؟!
ورابعاً: تلك الفرقة (الضالة) ترى نفسها الأكثر اتساقاً مع أصول المذهب والأصدق في تطبيق نتائجه والأوفى مع خطاب تكفيري واقصائي ساد زمناً طويلاً.
وأخيراً: هناك (الدافع العقائدي) فالإنسان لا يضحي بنفسه إلا بعقيدة تتملّك عقله وقلبه وتملؤهما (كراهية) للحياة والمجتمع والدولة والعصر. تصوّر له الحياة ملئت فسوقاً وعصياناً، والمجتمع جاهلية والدولة كافرة لا تحكم بشرع الله ـ حسب مفهومهم ـ وتوالي الكفار ولا تجاهدهم ولا تأخذ الجزية .
وتسمح بحرية المرأة وخروجها وعملها، فلابد من مقاومة المنكر ومجاهدة الدولة بقوة السلاح في سبيل تحقيق دولة دينية على نمط طالبان تلك الدولة التي نعمت القاعدة وأنصارها بأسعد لحظات الحياة حتى دمرّتها أميركا، إنها إذن ثقافة الكراهية المتحكمة في السلوك الإرهابي ضد مجتمعاتها وضد العالم المعاصر والحضارة المعاصرة، ومن أهم روافدها: الخطاب الديني التعصبي والتحريضي: كتاب وشريط وفتوى وخطب ودروس دينية ومواقع أصولية.
وكما يقول عبدالله بن بحماد «في مجتمعنا خطاب متكامل ينمي الكراهية في كل مكان، هناك معلمون في المدارس، وخطباء في الجوامع ودعاة ليس لهم عمل غير نشر الكراهية والتكفير، يملأون صدور الشباب حقداً وكراهية». لقد قال الملك عبدالله بن عبدالعزيز عندما كان ولياً للعهد: «قد آن الأوان لننزع بذور الغلّو والكراهية.. ومكان المسلم ليس في الكهوف» فهل ننجح؟