الولايات المتحدة تقوم بعملية تدمير.. ثم تدعو العالم ليتولى مهمة إعادة التعمير «وثيقة العهد الدولي للعراق» التي أقرها وتبناها مؤتمر دولي في شرم الشيخ عند نهاية الأسبوع المنصرم عبارة عن خطة تنموية خمسية تهدف إلى إحلال الاستقرار الاقتصادي والسياسي في العراق المدمر بتمويل عالمي، لكن الوثيقة تثير فوراً تساؤلات عدة في مقدمتها: من المسؤول أصلاً عن التدمير المنهجي في ذلك البلد العربي العريق الذي ارتد بالعراق إلى العصر الحجري؟

ما تعرض له ولا يزال يتعرض له الشعب العراقي من تدمير شامل هو أضعاف ما تعرض له الشعب الألماني في سياق الحرب العالمية الثانية، ومع ذلك فإنه بينما كانت الحرب على ألمانيا الهتلرية العدوانية مشروعة، فإن الحرب على العراق ليست كذلك. فقد اتخذت الإدارة الأميركية قرار هذه الحرب ونفذت قرارها من وراء مجلس الأمن الدولي وتحدياً لشعوب وحكومات العالم، بما في ذلك القوى الدولية الأخرى ومن بينها أقرب حلفاء الولايات المتحدة.

وبالإضافة إلى هذا المسلك الأميركي العدواني فإن مما يضاعف من عدم شرعية الحرب أن قرار شنها بني على مبررات ملفقة بنسبة مئة في المئة.كيف إذن وبأي شريعة أو منطق يتحمل العالم التكلفة ومسؤولية إعادة إعمار العراق المدمر؟

إن الجهة التي ارتكبت جريمة شن الحرب وما نشأ عن الحرب من تداعيات تدميرية شريرة هي التي ينبغي أن تدفع ثمن الإعمار.

لقد انتهت الحرب العالمية الثانية إلى أمرين: أولاً تقديم الشخصيات القيادية الألمانية إلى محاكمات لمعاقبتهم على ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وثانياً أن تدفع ألمانيا تعويضات.

الولايات المتحدة هي الآن بمنزلة ألمانيا النازية. وبالتالي فإن الشرعية الدولية ـ إذا كان هناك فعلاً شيء بهذا الاسم الرنان ـ تتطلب حمل واشنطن على دفع تعويضات، وتتطلب بالقدر نفسه أن يقدم إلى محاكمة دولية رئيس الولايات المتحدة ومن حوله من شخصيات عصابة «المحافظين الجدد» كمجرمي حرب.

لذا تبدو «وثيقة العهد الدولي للعراق» وكأنها أولاً تبرئة للولايات المتحدة من جريمة واضحة ومحددة تدخل تحت طائلة القانون الدولي، وثانياً كأن الالتزام العالمي بتمويل إعادة إعمار العراق مكافأة لواشنطن.

وعلى أية حال فإن العراق لن يتلقى فلساً، وكما يحدث عادة فإن الوعود التمويلية السخية التي تتعهد بها الدول الكبرى المشاركة في مثل هذه المؤتمرات الدولية تتبخر مع انفضاض الجلسة الختامية، هكذا تفيد السوابق. فأين الوعود التي تلقاها الشعب الفلسطيني عن طريق منظمة التحرير الفلسطينية بعد إبرام اتفاق أوسلو في عهد ياسر عرفات؟

وأين المليارات التي وعد بها الشعب الأفغاني لإعادة إعمار ما دمرته القوات الأميركية؟ وأين ذهبت الوعود التي بذلت من أجل إعادة إعمار جنوب السودان في أعقاب توقيع اتفاق نيفاشا للسلام بين الحكومة السودانية و«الحركة الشعبية» الجنوبية؟

والعجيب حقاً أن الاعتمادات المالية الأميركية المخصصة لتدمير العراق تناهز نحو 500 مليار دولار بينما خطط إعادة التعمير لن تتكلف أكثر من ثلث هذا المبلغ.