السؤال الذي يطرح نفسه, عقب مؤتمري شرم الشيخ حول وثيقة اطلاق العهد الدولي لاعادة اعمار العراق, وسبل اقرار الأمن والاستقرار في البلاد, هو بالتأكيد, ماذا بعد هذين المؤتمرين؟..
هل يبقي الوضع العراقي في ساحة الأزمة التي يزداد سعيرها يوما بعد يوم.. أم أن الحكومة العراقية ستبدأ علي الفور إجراءات من شأنها احتواء العنف وقطع السبل أمام نزيف الدم العراقي؟
لقد أكد المؤتمر الموسع حول أمن العراق واستقراره أن الحل الأمني للأزمة المتصاعدة لن يجدي.. وأن المدخل الصحيح لإمكان حلها يتمثل في ضرورة اتخاذ إجراءات صادقة وفعالة لتحقيق المصالحة الوطنية, علي أن يتم ذلك بالتوازي مع التعجيل ببناء القوة العسكرية العراقية, علي أن يقترن بتفكيك الميليشيات الطائفية..
وهنا, ينبغي الاشارة إلي أن هذه الإجراءات الخاصة بالمصالحة الوطنية, والاسراع ببناء الجيش العراقي تستهدف في المقام الأول تهيئة المناخ والأجواء لتحقيق انسحاب القوات الأميركية والأجنبية من العراق. ذلك أن استمرار بقاء هذه القوات تحت أي مبرر, يوفر الأسباب والذرائع لانشطة الجماعات المسلحة..
وما يتعين الالتفات إليه, في هذا السياق, أهمية اقدام حكومة العراق علي تنفيذ ما جاء في البيان الختامي للمؤتمر الدولي حول العراق, خاصة توسيع المشاركة السياسية, وعدم اقصاء أي قوي عراقية من المعادلة الوطنية, وصولا إلي معالجة المسألة الطائفية. وقد أشار المؤتمر بوضوح إلي مسئولية الحكومة العراقية عن تحقيق المصالحة الوطنية.
ان الوقت, بالتأكيد, ليس في مصلحة العراق, ما لم تبادر الحكومة بتحقيق المصالحة الوطنية, خاصة أن جبهة التوافق العراقية السنية قد أعربت, قبل أيام من انعقاد المؤتمر, عن عدم ارتياحها من العملية السياسية المتعثرة وسبل الخروج من المأزق الراهن.. وترددت أنباء عن احتمال سحب وزرائها الخمسة من الحكومة.
ومن الجدير بالذكر أن المؤتمر العالمي الموسع حول العراق, الذي عقد في شرم الشيخ, هو المؤتمر الثاني لبحث أمن العراق واستقراره. ذلك أن المؤتمر الأول انعقد في بغداد في العاشر من مارس الماضي.. في حين ان المؤتمر الثالث من المقرر أن يعقد في تركيا.. وهذه المؤتمرات تعكس القلق البالغ الذي يعتري القوي الاقليمية والدولية من استمرار تفاقم الأزمة العراقية.. وانعكاسات ذلك علي دول الجوار.
ولا جدال في أن سبل إقرار أمن العراق واستقراره. كانت واضحة وجلية منذ المؤتمر الأول.. ومعني هذا أن تنفيذ مقررات المؤتمرات وتوصياتها مهم للغاية.. حتي لا يدخل العراق في النفق الطويل لمسلسل المؤتمرات, بينما تتفجر الأزمة وتزداد تعقيداتها علي أرض الواقع. وهنا قد تجدر الاشارة إلي نقطتين مهمتين:
أولاهما: أن يتحول العراق إلي ساحة لتصفية الحسابات بين أميركا وإيران, وهذا ما بدا خلال المؤتمر. فعلي حين أبدت واشنطن رغبتها واستعدادها لعقد لقاء علي هامش المؤتمر بين وزيري خارجيتي البلدين, إلا أن طهران أوضحت تعذر انعقاد هذا اللقاء, لحسابات يري المراقبون السياسيون انها تستهدف تعزيز الدور الاقليمي لإيران في وقت تبدو أميركا في حاجة إلي مساعدتها في العراق.
ثانيهتما: كشف الخطاب السياسي الأميركي ابان المؤتمر عن بوادر تراجع اللهجة الأميركية المتشددة.. بينما يؤكد تراجع المشروع الأميركي في ضوء الأزمة العراقية والفشل العسكري الأميركي.. ولذلك فإن أميركا تتجه إلي دول المنطقة لمحاولة تغطية هذا التراجع. ومما يدل علي ذلك لقاء كوندوليزا رايس مع وليد المعلم وزير خارجية سوريا.. وكان هذا اللقاء من قبيل المحرمات ويكفي تذكر الانتقادات الحادة التي كالتها الإدارة الأميركية لنانسي بيلوسي زعيمة الاغلبية الديمقراطية في مجلس النواب الأميركي عندما زارت سوريا.
وأيا ما تكون التعقيدات الاقليمية والدولية للأزمة العراقية.. فإن ما يتعين علي الجميع أن يدركه أن حل هذه الأزمة ضروري في الاسهام في اشاعة الأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها.