أياً كانت نتائج مؤتمر شرم الشيخ الذي قيل إنه انعقد من أجل العراق، رغم أن أغلب المراقبين والمحللين والعارفين ببواطن الأمور، يقولون إنه من أجل إنقاذ أميركا من ورطة العراق، إلا أن أهم ما فيه أنه اعتراف وإذعان ولو متأخر جداً من جانب الإدارة الأميركية بأنه لا سبيل لحل قضايا المنطقة ومنها العراق إلا على يد أهل المنطقة أو على الأقل بالتشاور معهم!
نعم المؤتمر تأخر جداً وفي الحد الأدنى تأخر ما لا يقل عن أربعة أعوام، فالكل يجب أن يتذكر ونحن ندرس نتائج مؤتمر شرم الشيخ بأن اقتراحاً إيرانياً محدداً عرض على الأمين العام للأمم المتحدة آنذاك ـ السيد كوفي عنان ـ لحل الأزمة العراقية على خلفية مزاعم أسلحة الدمار الشامل بأن يُدعى إلى اجتماع دول الجوار العراقي
بالإضافة إلى مصر والدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي وبرعاية الأمين العام للأمم المتحدة لإيجاد حل للنزاع الذي سببته واشنطن يومها من خلال إصرارها على الذهاب إلى الحرب على العراق كحل وحيد، وهو ما كان يرفضه غالبية أعضاء مجلس الأمن الدولي وكذلك غالبية أعضاء المجتمع الدولي الحقيقي وليس المجتمع الدولي الذي تصر واشنطن على حصره بها وبإسرائيل وبريطانيا واستراليا في أحسن الأحوال.
غير أن واشنطن وقتها كانت في أوج طموحاتها وصعودها الإمبراطوري، وإسرائيل كانت في أوج أفراحها وأعراسها وهي تتهيئ لتدمير دولة عربية كبيرة واحتلال عاصمة عربية جديدة، ووقتها أراد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بكل محبة وأخوة وعقل
وتدبير أن «يجنب العراق سيناريو الدمار عندما اقترح فكرة تنحي الرئيس صدام حسين عن السلطة لنزع ذريعة غزو العراق، ومثله فعل وإن في سياق آخر الأمين العام لحزب الله اللبناني السيد حسن نصر الله عندما دعا إلى هدنة أو «مصالحة» بين المعارضة العراقية والرئيس صدام لنفس الهدف،
أي تجنيب العراق كارثة الغزو المحقق ولكن وقتها كان الجنون هو سيد الموقف؛ وكانت الغرائزية المطلقة تحيط بالأطراف الثلاثة المعنيين وقتها والقادرين وقتها على نزع فتيل الانفجار أو إشعاله.اليوم وبعد أربع سنوات أو يزيد لجأت أميركا وهي تجرجر ذيول خيبتها وهزيمتها وتعثر مشروعها الامبراطوري في العراق والشرق الأوسط وهي تتوسل إلى دول المنطقة للمساعدة للخروج بما تبقى من ماء الوجه تحت عنوان عريض وجذاب اسمه «مساعدة العراق»!
ومرة أخرى نحن نقول إن المهم أن نتعظ من التجارب الماضية إذا أردنا أن نساهم في حل أزمة العراق وغيرها من الأزمات التي يمكن أن تنشأ في أية لحظة من جديد أو هي أصلاً موجودة وأصبحت من الأزمات المزمنة والعبر التي يجب أن يستلهمها الجميع من تجربة العراق على خلفية اجتماعات شرم الشيخ برأينا المتواضع هي:
أولاً: أن التدخل الخارجي ولا سيما بوسائل وأساليب العنف والحرب من أجل تغيير سلوك نظام ما أو تغيير نظام ما مهما كان «عاقاً» من وجهة نظر المتدخلين ليس هو الأسلوب الأنجع، بل هو الكارثة بعينها على الشعب والكيان والدولة والوطن والإقليم والأمن العالمي!
ثانياً: إن محاربة الديكتاتورية والاستبداد في أي بلد واستبدال النظام المستبد بنظام ديمقراطي يعتمد التداول السلمي للسلطة هي عملية اجتماعية ـ سياسية ـ فكرية ـ اقتصادية وثقافية شاملة ولا تشبه بأي شكل من الأشكال لاالعمليات الاستشهادية ولا الفدائية أو الانقلابية ضد قوات الاحتلال ناهيك عن اللجوء إلى الاستقواء بحراب الأجنبي لجلب الديمقراطية المجوقلة.
ثالثاً: إن العلاقات الدولية السليمة تتطلب إشاعة نوع من أنواع التعددية والديمقراطية في العمل الجماعي من أجل حل الأزمات الإقليمية والدولية المستعصية وكل أحادية في العمل في هذا المجال ستأتي بالكارثة ويلحق الضرر أول ما يلحق بالدولة الأحادية نفسها بعد الدولة أو القوى المجني عليها في العمل الأحادي، ذلك لأن العالم لا يمكن أن يُدار إلا حسب السنن الكونية المعروفة والثابتة وهي السنن التي لا تقبل إلا التوازن في كل عمل،
ولا تقبل الفراغ وهو ما يعني أن أية أحادية ستخلق ردة فعل أحادية مناوئة لها وهو القانون الذي ينعكس بالسياسة، إما بما يسمى بدورة العنف العبثية أو بالمقاومة العنيفة المشروعة التي تصبو إلى القضاء على الأحادية المعتدية، وفي الحالتين فإن العالم يخسر الكثير بسبب حماقة اللجوء إلى الأحادية لاسيما إذا كانت تلك الأحادية من النوع الأمبراطوري الجشع الذي لا يعرف الشبع والارتواء.
إن تجربة العراق وللأسف الشديد يجب أن نعترف ونذعن جميعاً بأنها كانت ميدان اختبار كارثي للعقل السياسي الدولي والإقليمي والعربي والإسلامي دفع الشعب العراقي الجزء الأكبر من ثمنها الباهظ فيما لا يزال الإقليم. والعالمان العربي والإسلامي المجاورة للعراق مرشحة لدفع ما تبقى من نتائج كارثية متبقية ما لم يعد العالم وفي الطليعة منه القوة الأحادية المعتدية إلى الرشد المطلوب.
مرة أخرى نقول إنه وأياً كانت نتائج قمة شرم الشيخ ومهما تصور القائمون على القمة أو المستفيدون منها بأنهم حققوا نجاحات أو إنجازات فإن ذلك لن يعني الشعب العراقي ولا الإقليم بشيء ما لم تذعن القوة الأحادية التي لا تزال مندفعة ومنخدعة بجبروتها للحقائق الجديدة التي صنعتها السنوات الأربع الماضية
وفي مقدمتها الأحادية المناوئة في داخل العراق والمتمثلة بالمقاومة المسلحة وكذلك لسائر الحقائق الأخرى وفي مقدمتها بان دول الجوار لن تسمح لها بعد اليوم وبالسهولة التي حصلت قبل أربع سنوات بان تمضي في مشروعها الأحادي دون حساب، بل وحتى عقاب.
نعم فالزمن لم يعد هو الزمن الذي كانت فيه أميركا هي التي تضع الشروط والعالم يبصم إما حباً أو كرهاً.. فقد تغيرت موازين كثيرة، وفي مقدمتها موازين الكر والفر في الميدان على أكثر من ساحة من ساحات المناورة الإمبراطورية، والعاقل هو من اتعظ بالإشارة.
كاتب إيراني