سواء استقال رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت بعد التقرير المبدئي للجنة التحقيق في حرب لبنان أو عاند وبقى في منصبه انتظاراً للتقرير النهائي أو انتظاراً لمعجزة تبقيه في موقعه، فإن المؤكد أن الرجل قد فقد مستقبله السياسي وأنه سيخرج في النهاية ومعه مرارة الفشل في لبنان، بالإضافة إلى اتهامات الفساد والتي ستظل تلاحقه حتى بعد رحيله عن موقعه.
ـ وسواء دفع وزير الدفاع «عمير بيرتس» على الفور ثمن غبائه السياسي وجهله العسكري وطموحه غير المبرر الذي جعله يقبل وزارة الدفاع وهو غير مؤهل لها، أم حاول التشبث بالمنصب في محاولة يائسة للحفاظ على زعامته لحزب العمل، فالمؤكد أنه سيرحل عن موقعيه في الحزب والوزارة بعد أسابيع، ولن يبقى لينتظر التقرير النهائي للجنة التحقيق في حرب لبنان،
وسيغادر مواقعه بعد أن أسقط كل الرهانات التي تصورت أن صعوده المفاجئ لزعامة حزب العمل سيكون خطوة نحو إعادة بناء اليسار الإسرائيلي بعد فترة من الضياع و الهزائم المتوالية صعد فيها اليمين مستغلا تصاعد المواجهة على الساحة الفلسطينية، ونجاحه في بناء تحالفه الوثيق مع الصهيونية المسيحية الأميركية التي اكتمل صعودها بدخول «بوش» الابن للبيت الأبيض ثم بأحداث 11 سبتمبر وغزو العراق.
ـ سقوط «أولمرت» وربما انهيار حزبه «كاديما»، وسقوط «بيرتس» ودخول حزب العمل في محاولة إنقاذ جديدة، ستكمل الثالوث الذي بدأ بسقوط رئيس الأركان «حالوتس» الذي سبق نتائج التحقيقات في حرب لبنان باستقالته.
ولا شك أن سقوط الثلاثة المسؤولين عن شن الحرب العدوانية على لبنان سوف يثير الكثير من مشاعر الارتياح لدى أطراف عربية عديدة ارتبطت بالمقاومة وغمرتها مشاعر الاعتزاز بما حققه الشعب العربي في لبنان، فسقوط القيادات الإسرائيلية المسؤولة عن العدوان الهمجي على لبنان هو اعتراف بالفشل الكبير الذي أسقط هيبة الجيش الإسرائيلي وأفقده «مكانته» كقوة ردع موجهة ضد العرب،
ليتحول إلى عبء إضافي على الولايات المتحدة الأميركية التي حاولت المستحيل لمنع المجتمع الدولي من وقف العدوان لأكثر من شهر، ووفرت كل الدعم السياسي والعسكري بما فيه استخدام الأسلحة المحرمة دولياً، ومع ذلك فشل الجيش الإسرائيلي، وانتصر لبنان، وأصبح لزاماً أن تتغير قواعد اللعبة، وان تحاول أميركا أن تدرك بالسياسة ما فشلت (هي وإسرائيل )في تحقيقه بالحرب،
والاعتراف الإسرائيلي بالفشل يسكت أصواتاً عربيه (!!) شككت في الإنجاز العربي الذي تحقق، ويؤكد أن خيار المقاومة مازال فاعلاً ـ كما يؤكد عمق الزلزال الذي أصاب الكيان الصهيوني بعد الفشل في لبنان، لكن للصورة أوجهاً أخرى لا بد من الوقوف أمامها إذا كنا جادين في الاستفادة مما وقع، وإذا كنا حريصين على الاستعداد جيداً لتطورات خطيرة قادمة في إطار المواجهة مع العدو التي تدخل مرحلة جديدة بالغة الدقة قد تحكم الأوضاع في المنطقة لعقود عديدة مقبلة.
ـ فنحن أمام كيان مازال يملك قدراً كبيراً من الديناميكية التي تمكنه من التعامل مع الأزمات، وتتيح له استخدام آليات المحاسبة وإعادة التقييم التي تمكنه من استثمار ما يحقق من إيجابيات، وأيضا من عبور ما يلحق به من هزائم بأقل قدر من الخسائر، بينما نحن ـ لأسباب عديدة ـ نفعل العكس في أحيان كثيرة، فنبدد ما نحققه من إنجاز، ونترك الهزائم والانكسارات تمر دون محاسبة حقيقية..
والنتيجة أننا لا نتعلم من أخطائنا ولا نستفيد من انتصاراتنا، ولعل هذه كانت النقطة الأساسية التي يراهن عليها عدونا دائما، وعندما اختلف الوضع بعد هزيمة 67، وتعاملنا بالمنطق الصحيح كانت هذه هي المفاجأة التي صعقت العدو، وحققت النصر العربي الكبير في 1973. لكننا ـ للأسف الشديد ـ عدنا بعد ذلك لما تعودنا عليه فبددنا فرصة تاريخية للبناء على نصر أكتوبر والتحالف الذي حققه،
وبعد أن كنا نتحدث ـ بعد النصر ـ عن قوة عربية يمكن أن تجد مكانها على خريطة العالم ـ بإمكانياتها الاقتصادية والبشرية والعسكرية ـ تفكك التحالف وضاع الأمل، في نفس الوقت كان العدو يبحث في أسباب «التقصير» التي أدت إلى هزيمته في 73،
ويحاسب على الخطأ ويصنع استراتيجية تجاوز الهزيمة. وهو نفس ما يحاول فعله الآن من خلال اللجنة التي حاول بها رئيس الوزراء الإسرائيلي أولمرت ان ينجو بها من تحقيق برلماني قد يقضى عليه تماماً، وأصر على أن تكون اللجنة حكومية تابعة له كرئيس للوزراء ليحد من صلاحياتها، ومع ذلك جاء تقريرها الأولى ليحمله المسؤولية ويتهمه بالفشل والتهور في اتخاذ القرار وإساءة التقدير.
ـ إن ذلك لا يعنى أن نسقط في الوهم «الديمقراطية» الذي يراد للعالم أن يقر من خلاله أن هذا الكيان الصهيوني هو «واحة الديمقراطية في الشرق الأوسط» فالكيان الذي يقوم على اغتصاب الأرض وتشريد أهلها لا يمكن أن يكون ديمقراطيا، والكيان الذي يمارس أبشع صنوف النازية ويباهي بقدرته على احتلال أراضي الغير لا يمكن أن يكون ديمقراطيا،
والكيان الذي يقوم على التعصب والكراهية ويقسم مواطنيه إلى درجات لا يمكن أن يكون ديمقراطيا، والتقرير الأخير للجنة فينوغراد يؤكد أن هذا الرداء «الديمقراطي» الذي يرتديه الكيان الصهيوني لا يخفي الحقيقة الأساسية التي تقول إننا أمام كيان يتحكم فيه جنرالات الجيش الذين يهيمنون على كل القرارات السياسية ويسيطرون ـ من خلال جنرالات الاحتياط ـ على الأحزاب السياسية.
ـ ولعل ما زاد في هذه السطوة أثناء حرب لبنان الأخيرة. أن رئيس الوزراء ووزير الدفاع ليس لهما أي خلفية عسكرية، وبالتالي فقد كان رئيس الأركان الجنرال «دان حالوتس» هو صاحب القرار سواء في شن الحرب أو في التعامل مع تطوراتها،
ووفقا لتقرير «فينوغراد» فإن رئيس الوزراء ووزير الدفاع انجرا وراءه بعمى بصيرة، وأقرأ ومعها سائر أعضاء الحكومة كل المقترحات التي قدمها من دون توجيه أي استفسار أو سؤال، ويرتبط ذلك بأن بعض ما يأمل فيه «أولمرت» أن يصب التغيير في حزب العمل في الانتخابات الداخلية بعد أسابيع في صالحه، فتتم الإطاحة بوزير الدفاع «عمير بيرتس» من زعامة الحزب ليحل محله (في زعامة الحزب وفي وزارة الدفاع) إيهود باراك وهو المرجح من التوقعات حتى الآن.
وأن يساهم وجود «باراك» في استعادة الثقة بالمنصب الوزاري الذي لم يكن «عمير بيرتس» يملك أياً من مؤهلاته، وأن يساعده وجود باراك بجانبه في مواجهة آثار نشر التقرير كاملاً في الصيف باعتباره ألمع العسكريين الإسرائيليين على الساحة..
ولكن، هل يكفي وجود باراك لمواجهة الموقف؟ أم أن العسكرية الإسرائيلية ستواصل مخططاتها من أجل شن حرب جديدة على لبنان (وربما سوريا) لاستعادة صورتها وإزالة آثار فشل حربها العدوانية في يوليو الماضي ؟
وهل سيكون وجود باراك دافعاً وراء مواصلة هذا المخطط .. ليس فقط لتعزيز موقعه في حزب العمل، وإنما أيضا لتعزيز فرص الحزب تحت رئاسته في انتخابات مقبلة في مواجهة يمين يقوده «نتانياهو» ويراهن على تفكك حزب «كاديما» وعودة أبنائه الضالين «!!» إلى مواقعهم القديمة في حزب الليكود؟
فور صدور التقرير أعلنت الإدارة الأميركية أن «أولمرت» أساسي في جهود السلام مع الفلسطينيين.. وبغض النظر عن أي وجود حقيقى لهذه الجهود، أو عن احتمالات نجاحها إذا وجدت، فإن التأكيد الأميركي هو رسالة للأطراف داخل إسرائيل بالتروي في محاولات إسقاط الحكومة قبل التوافق على بديل يحفظ التوازن الموجود
ولا يترك الباب مفتوحا على مصراعيه لعودة «نتانياهو» ومعه اليمين المتطرف إذا أجريت انتخابات جديدة الآن. وهو ما يعنى ـ بالنسبة لواشنطن ـ اشتعال الساحة الفلسطينية وانتهاء جهود «التبريد» التي تبذلها الآن لتهيئه الظروف الملائمة للخروج من العراق بأقل الخسائر.
ـ وربما يكون موقف الإدارة الأميركية في دعم «أولمرت» رسالة أيضا للأطراف العربية التي سعت لتجديد مبادرة بيروت، ثم خطت خطوة أخرى بالإعلان عن بدء نوع من التطبيع بمجرد اتخاذ إسرائيل لإجراءات تثبت جديتها في الوصول لتسوية حتى دون قبول المبادرة، ثم خطا البعض خطوة أخرى بالتنازل(!!) من جانبه عن حق العودة. والمنطقي إذا كان هناك من منطق يحكم التحركات العربية ،
ان تكون الضغوط الأميركية في هذا الاتجاه مصحوبة بوعود تتفق مع اكتشاف (!! ) الإدارة الأميركية أن فلسطين هي القضية المركزية وان الظروف تحتم التحرك الجاد للوصول إلى تسوية لها تغطي الفشل في العراق وتنقذ المصالح الأميركية في المنطقة.
ـ وسقوط «أولمرت» وحكومته والذهاب إلى انتخابات مبكرة يعنى وضع كلمة النهاية لذلك كله، وضياع فرصة كسب الوقت (مجرد كسب الوقت ) حتى تخرج الإدارة الأميركية من ورطتها في العراق، وتحسم صراعها مع «طهران» حرباً أو صلحاً.
ـ ماذا يعني كل ذلك ؟ انه يعني أن المنطقة مقبلة على صيف ساخن وخريف أكثر سخونة، وأيا كان مصير حكومة إسرائيل فالقرار سيبقى في يد جنرالات يسعون للثأر من هزيمتهم. وأيا كانت نتيجة الصراع بين الديمقراطيين والرئيس «بوش» في أميركا فالرحيل الأميركي من العراق أمر مفروغ منه.
وأيا كانت نتائج المواجهة بين واشنطن وطهران فالخسائر عربية ما دمنا لا نملك ـ كما تملك أطراف الصراع في المنطقة ـ الرؤية القادرة على تعظيم مكاسب النصر ومعالجة أسباب الهزيمة، وما دمنا نكتفي بالوقوف في دائرة رد الفعل والحديث عن سلام لن يتحقق إلا إذا امتلكنا عناصر القوة والإرادة القادرة لفرضه على الواقع.
ـ والإدارة الأميركية تعرف عمق الأزمة في إسرائيل. إنها أزمة جيش له دولة يحكمها باعتباره القوة التي لا تقهر، وبالتالي فالهزيمة في لبنان (مثل هزيمة أكتوبر 73) تزلزل الدولة من أساسها، ومن هنا فالإدارة الأميركية حريصة على إبقاء الملف اللبناني ساخناً تمهيداً لجولة جديدة يستعيد فيها الجيش الإسرائيلي اعتباره،
ولكن التوقيت الآن ليس مناسباً. ومن هنا الحرص الأميركي على تجميد الأوضاع على الجبهة الفلسطينية انتظاراً لحل لن يجئ. ولكن الإدارة الأميركية تعرف أيضا أن إبقاء الحكومة الإسرائيلية كما هي أمر غير ممكن.. ولعل المرجح أنها رغم الكلام الطيب عن «أولمرت» سوف تسعى لتغيير يبقى على صيغة الحكومة الحالية، يأتي فيها حزب العمل بقائد عسكري زعيماً ليحتل بعد ذلك وزارة الدفاع خلفا «لعمير بيرتس»،
ويعزل حزب «كاديما» رئيسه أولمرت لتحل محله شخصية تستطيع الإبقاء على الحزب قبل أن يتفكك، وربما يتناول أبو مازن الشاي في اجتماعه نصف الشهري المقرر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بالسيدة «تسيبي ليفنى» وزيرة الخارجية الحالية بعد أن تخلف «اولمرت»،
وربما يكون البديل هو الثعلب العجوز «شيمون بيريز» الذي قد تشفع له في هذه الأيام خبرته السابقة والطويلة بالملف الإيراني حيث كان داعماً للمشروع النووي الإيراني مع بداياته أيام حكم الشاه، كما تشفع له علاقات عربية متعددة قد تساعد في إنجاز المهمة المطلوبة من أجل «تبريد» الجبهة الفلسطينية حتى تخرج أميركا من ورطتها في العراق.
نقيب الصحافيين المصريين