بعد خمس سنوات من إطلاق مبادرة السلام العربية في قمة بيروت وإعادة إحيائها في قمة الرياض بعد ان بقيت في ادراج النسيان. وبعد حصول اجتماع خاص للجنة تفعيل المبادرة ووضع برنامج تحرك لها وبعد ان استقر تعبير التفعيل في الخطاب الدبلوماسي حاليا يبقى السؤال قائما حول احتمالات ترجمة هذه المبادرة ضمن الظروف والمعطيات الراهنة الى سياسة من اجل تحريك قطار السلام.
وفي المناسبة نذكر بأنه في نهاية شهر ابريل تكون أيضا قد مرت أربع سنوات على إطلاق خريطة الطريق التي مازالت معلقة في بداية الطريق. خريطة الطريق الأميركية التي تم تسويقها عبر الرباعية الدولية لم تجد طريقها بعد الى التنفيذ. البعض يقول ان إحياء المبادرة العربية جاء ضمن منطق يقوم على مقايضة موقف تجاه فلسطين مقابل موقف تجاه إيران،
بمعنى ان تأخذ واشنطن موقفا لإطلاق قطار عملية السلام مما يسمح للعرب باتخاذ موقف أكثر حزما ووضوحا الى جانب واشنطن تجاه إيران، رغم الحقيقة ان تقال ان هنالك قلقا عربيا مشروع من بعض السياسات الإيرانية وانه أيضا من الواضح ان الموقف العربي وان تقاطع الى درجة معينة مع الموقف الأميركي في هذا الشأن فانه يبقى معارضا لخيار عسكري أميركي ضد إيران.
والبعض يعتبر ان التفعيل الآن قد تشجع عليه مقاربة جديدة لإنهاء أحد أهم مصادر الصراع في المنطقة وبالتالي تخفيض منسوب التوتر الذي يشكل أرضية خصبة للراديكالية. هذه التحليلات «العقلانية» او لنقل التمنيات «المنطقية» تقف وراء قناعة البعض ورغبة البعض الآخر في ان تقوم واشنطن بإعطاء إشارة انطلاق قطار التسوية في المنطقة بقيادة السائق الأميركي.
ويذكر الجميع ان نافذة التحرك الأميركي ستغلق في أقصى حد في مدخل هذا الصيف باعتبار ان الولايات المتحدة ستنشغل بعد ذلك كليا في معركة الانتخابات الرئاسية. بعيدا عن التمنيات يلاحظ ان ما يجمع بين الأطراف الأربع المعنية مباشرة بتفعيل مبادرة السلام ايا كان موقع هذه الأطراف، العربية والفلسطينية والإسرائيلية والأميركية،
هو ما يلي: حالة من الضعف مصاب بها كل طرف ومع هذا الضعف تصاعد نسبة الارتباك في سلوكيته: على الصعيد الفلسطيني تعيش السلطة حالة من التضعضع تهدد بانفراطها كليا وبانتشار الفوضى في غزة والضفة الغربية وفي احتمال العودة الى مرحلة ما قبل أوسلو مع وجود سلطة «اسمية» ولكنها معطلة كليا وغير قادرة على وقف الاهتراء المتزايد وحالة التردي الحاصلة.
إسرائيليا مع صدور التقرير الأولي للجنة فينوغراد حول «مجريات حرب لبنان الثانية» تجد حكومة إسرائيل نفسها وتحديدا رئيس وزرائها في أقصى حالات الضعف والتضعضع وعدم القدرة على اتخاذ أي قرار ايا كان الحجم المتواضع لهذا القرار فما بالك اذا كان من النوع الذي يستدعي رغم غياب الإرادة السياسية بذلك إعادة تحريك عملية السلام وهو امر ذات وزن استراتيجي كبير في إسرائيل مما يسقط هذا الاحتمال كليا.
عربيا، رغم الاتفاق على أهداف نهاية الرحلة وعلى المبادئ العامة «لرحلة» تسوية الصراع العربي الإسرائيلي فلا يكفي التحرك الدبلوماسي ايا كان مستواه او رغبة أصحابه اذا لم توظف إمكانات واضحة وكبيرة وراء هذه الحركة وفي ظل الأوضاع العربية الراهنة مازالت سمة الموقف هي حالة الطلاق الحاصلة كليا بين دبلوماسية الدعوات والمناشدة والتحرك من جهة وغياب الإمكانات التي يجب ان توظف
لدعم هذه الدبلوماسية من جهة أخرى. أميركيا تعيش إدارة بوش في اضعف لحظات قوتها وتشهد حربا دائرة في واشنطن الرسمية والسياسية والإعلامية بين الإدارة وبين خصومها من الديمقراطيين عنوانها العراق كما تشهد حربا ولو على مستوى اقل ضمن الإدارة نفسها حول هذا الشأن. وبالتالي لو افترضنا جدلا انها تريد التحرك بقوة على ملف أساسي مثل الملف الفلسطيني فهي لا تملك حاليا القدرات والإمكانات في ظل الوضع القائم لعمل ذلك.
-وجود صراعات متفجرة ضمن كل طرف في إطار السلطة وبينها وبين المعارضة على الصعيدين الفلسطيني والإسرائيلي ووجود خيارات أولية وضاغطة مختلفة عند الأطراف العربية والأميركية وكما اشرنا وجود الأزمة العراقية التي «صادرت» كليا الساحة السياسية الأميركية ولم تعد تترك مكانا لغيرها.
باختصار واشنطن غير مهتمة بالملف الفلسطيني أكثر من سياسة التهدئة ضمن استمرار التهميش ويقول ارون ميللر الذي عمل مستشارا أساسيا عند 6 وزراء خارجية أميركيين لشؤون الشرق الأوسط وكان من الفريق الخاص الذي تولى هندسة عملية التسوية في التسعينات ان مأساة الحالة الأميركية حاليا
ومفارقتها هي التالية: بقدر ما ان المسألة العربية الإسرائيلية صارت أكثر أهمية للمصالح الوطنية الأميركية وللأمن الأميركي بقدر ما ان الولايات المتحدة في موقع سيء جدا لادارة هذه المسألة ان لم نقل لتسويتها.
ميللر ينتقد ما سماه بسياسة «التخلي» الأميركية عبر ترك الاسرائيليين والفلسطينيين لمصيرهم كما يقول. وصف ميللر للسياسة الأميركية يختصر حالة هذه السياسة منذ اليوم الأول لوجود الرئيس بوش في الحكم. انها سياسة لا تعبر فقط عن تغير كلي في الأولويات الأميركية في المنطقة بل تعكس ايضا رؤية استراتيجية وعقائدية تشكل انقطاعا عن السياسات الأميركية السابقة
وهي رؤية لا تحمل في طياتها أي اهتمام جدي وفعلي لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي حسب ما هو متوافق عليه دوليا وحسب مطالب الحد الأدنى العربية وللتذكير أيضا فان الحكومة الإسرائيلية والمؤسسة الاستراتيجية الإسرائيلية ليستا في وارد التوجه نحو التسوية وتعتبر ان أقصى ما يمكن التوصل إليه هو إدارة الجمود بغية إقفال الملف الفلسطيني عبر سياسات الأحادية والانطواء وفرض الأمر الواقع.
يعزز ذلك بالطبع القراءة الاستراتيجية الإسرائيلية لتوازن القوى في المنطقة والتحول الكبير نحو اليمين في المجتمع الإسرائيلي الأمر الذي غير الأولويات الأمنية والسياسية الإسرائيلية من حيث مصادر الخطر وسبل التعامل معها.
وعلى الصعيد الفلسطيني يبدو ان الضغط الدولي ساهم ويساهم في إحداث مزيد من التوتر في الجسم السياسي الفلسطيني بدل ان يكون مصدر تضامن فلسطيني: تضامن يقوم على بلورة سياسة فلسطينية تحظى بإجماع وطني للتعامل مع هذه الضغوطات والمخاطر. خلاصة الأمر ان العرب لحينه لا يملكون خطة باء او خطة بديلة في حال فشل دبلوماسية تفعيل مبادرة السلام العربية.
المبادرة التي يفترض ان تبقى خط الدفاع الأخير الذي يجب ان يتمسك به العرب ولا يتراجعون وراءه وفي غياب خطة بديلة لعمل عربي مشترك وفعال في دبلوماسية الصراع والتسوية في الشرق الأوسط خارج إطار دبلوماسية التمنيات
ومحاولة الإقناع «العقلاني» بأهمية تسوية الملف الفلسطيني قد يبقى أمام العرب الاكتفاء بإدارة الانتظار كبديل عن دبلوماسية تحريك القطار، قطار التسوية:الانتظار الى ما بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية كشرط ضروري وغير كاف، انتظار إدارة جديدة قد تكون لها قناعة بضرورة ولوج الباب الفلسطيني
كمدخل أساسي للتعامل مع الملفات المشتعلة في الشرق الأوسط باعتبار ان القناعة مستقرة عند الجميع بشكل علني او ضمني ان مفتاح التسوية موجود في واشنطن وبالتالي فيجب التطلع دائما لواشنطن لتحريك الأمور.
لكن السؤال الأهم الذي على العرب ان يجيبوا عنه في ظل غياب الخطة البديلة هو كيفية حماية سياسة الانتظار من مخاطر حصول الانفجار الذي يخلط الكثير من الأوراق ويغير في الأولويات ويؤثر بشكل كبير في الديناميات والاصطفافات الكبيرة في المنطقة. بأي حال كثير من الدلائل تشير الى ان الانتظار قد لا يحمي من الانفجار، هذا ما ستظهره الأشهر القادمة في أقصى حد.
كاتب لبناني