معلومة صغيرة بالغة الدلالة تفضح مغزى القصة، مفاد المعلومة أن لجوء قضاة المحكمة الجنائية الدولية إلى إصدار مذكرتي توقيف بحق اثنين من السودانيين أحدهما وزير هو بمثابة هبوط اضطراري. فالقضاة لم يجدوا نصاً قانونياً يسمح لهم بمخاطبة الحكومة السودانية رسمياً في الأمر عن طريق القنوات الدبلوماسية، لماذا؟،
لأن جمهورية السودان ليست ببساطة طرفاً في المعاهدة الدولية التي بموجبها أنشئت المحكمة الجنائية الدولية ويطلق عليها «ميثاق روما»، وبالتالي فإن السودان وكافة الدول الأخرى التي لم توقع على الميثاق أو لم تصادق عليه لا يمتد إليها السلطان القضائي للمحكمة الدولية، هكذا ينص الميثاق دون أي لبس.
ومن الغريب حقاً أن الإدارة الأميركية تطالب الآن الحكومة السودانية بالتجاوب مع المحكمة الجنائية الدولية بتسليم الشخصين المطلوبين ـ الوزير أحمد هارون ومعه أحد قادة ميليشيا تابعة لقبائل دارفور العربية إلى مقر المحكمة في لاهاي،
ووجه الغرابة أن الولايات المتحدة نفسها كالسودان ليست من بين الدول الموقعة على ميثاق روما. بل أكثر من ذلك فإن مشروع إنشاء المحكمة قوبل بحملة أميركية شرسة ضد الفكرة أساساً وذلك انطلاقاً من توجسات سياسية صرف.
فالولايات المتحدة تخشى من احتمال لجوء دول إلى رفع دعاوى جنائية دولية ضد مسؤولين أميركيين ـ مدنيين أو عسكريين ـ أو اتهامهم بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية على غرار ما يتهم به الآن الوزير السوداني ومعه القائد الميليشياوي.
واشنطن أدركت إذن منذ وقت مبكر أن ثمة قضايا يمكن أن تقدم إلى المحكمة الدولية بدوافع سياسية. وهذا ما يفسر موقف الرفض الأميركي لميثاق روما. وفي هذا الاتجاه عمدت الإدارة الأميركية إلى توقيع اتفاقات مقابل مساعدات اقتصادية مع عدد من الدول تتعهد بموجبها هذه الدول بعدم تسليم مواطنين أميركيين موجودين على أرضها إلى المحكمة الجنائية الدولية.
قصة السودان والمحكمة الدولية هي إذن قصة سياسية بالدرجة الأولى تدخل في السياق العام للضغوط الغربية ضد السودان الهادفة إلى تدويل قضية دارفور من أجل أجندة سياسية مريبة، فالقضية الجنائية المرفوعة ضد المسؤول السوداني وقائد الميليشيا المحلية لا يمكن بحال من الأحوال فصمها عن مشروع إرسال قوات عسكرية دولية إلى إقليم دارفور.
على هذا الأساس رفضت الحكومة السودانية التجاوب مع المحكمة الدولية. وإزاء هذا الرفض لن يكون بوسع قضاة المحكمة سوى رد القضية إلى مجلس الأمن الدولي، وفي هذه الحالة ستعود القضية إلى لعبة التناقضات بين مصالح القوى الدولية الكبرى، وحينئذ فإن أغلب الظن أن تتخذ اللعبة السيناريو الآتي:
يطرح مشروع قرار وراء الكواليس لفرض عقوبات على السودان، ومن المؤكد أن تأتي مبادرة المشروع من بريطانيا، فالولايات المتحدة لن تستطيع حتى المشاركة في صياغة المشروع لأنها ـ كما ذكرنا آنفاً ـ ليست طرفاً في ميثاق روما. الصين وروسيا (وهما أيضاً لم توقعا على ميثاق روما) ستعارضان مشروع القرار مطالبتين إما بإلغائه أو تخفيف صياغته.
والسؤال الأكبر هو: متى ينتهي مسلسل دارفور؟
لكن السؤال يقود إلى أسئلة: فمتى ينتهي مسلسل العراق، ومسلسل أفغانستان، ومسلسل لبنان، ومسلسل الصومال، ومسلسل الصراع العربي الإسرائيلي. كلها رهن بصراع القوى في الساحة الدولية.