يختار الفرنسيون اليوم خليفة شيراك. في غياب مفاجأة غير متوقعة، ولو غير مستبعدة تماما، فإن نيكولاي ساركوزي، مرشح اليمين، في طريقه ليكون المقيم الجديد في قصر الاليزيه، وللسنوات الخمس المقبلة، هذا ما تكاد تجمع عليه سائر التوقعات والاستطلاعات الفرنسية.

من البداية تقدم على منافسته المرشحة الاشتراكية، سيغولين روايال. وبقي محتفظاً بالموقع المتقدم. ولو بفارق بسيط. في الايام الاخيرة ارتفع الفارق لمصلحته، على ما بدا، لم تقو روايال على استقطاب كتلة وازنة من أصوات مرشح الوسط بايرو، الأصوات التي لم تحسم أمرها بعد، تقلص حجمها، وفق آخر الاستبيانات وحتى لو صب معظمها لصالح روايال، فلا يكفيها، صار من الصعب عليها سد الفجوة، لكل ذلك تميل الترجيحات بقوة نحو ساركوزي.

لكن إذا كان الخبر اليقين، بخصوص الفوز بالرئاسة الفرنسية، موجودا في بطون صناديق الاقتراع، التي لن تبوح به قبل اقفالها في وقت متأخر من مساء اليوم، فإن المؤكد والمعلوم علم اليقين بأن فرنسا تطوي اليوم مرحلة وتنتقل الى حقبة اخرى جديدة ومختلفة.

وبالتحديد في مجال سياستها الخارجية، وأكثر تحديداً في سياستها الشرق أوسطية أولى سمات فترة ما بعد شيراك، إن السياسة الخارجية إجمالا سوف تشهد حالة من الضمور والتراجع في سلم أولويات الإدارة الفرنسية الجديدة. موضوعها كان شبه مفقود في الحملة الانتخابية، الغلبة للهموم والتحديات المحلية.

ثم ان برامج المرشحين خالية من المؤشرات التي تفيد بأن هناك حرصا والتزاما جادين بالحفاظ على حضور فرنسي ناشط متميز ومستقل؛ على المسرح الدولي. لم يكن هناك طرح يحمل على الاعتقاد بخلاف ذلك، على العكس المتداول ، خلال الحملة يؤشر الى انكفاء في هذا الحقل.

ساركوزي كرر حرصه على الاستمرار بخط شيراك، لكن خلفية الرجل ومواقفه ومقارباته الخارجية، خاصة الشرق أوسطية، تدل على أن مثل هذا الحرص ليس أكثر من بضاعة انتخابية، في احسن الأحوال كان الغموض السمة الغالبة على طروحاته وتصريحاته.

في هذا الشأن. روايال لم تكن بالأفضل والأوضح، الإبهام طبع تعاملها مع الملفات الخارجية والشرق أوسطية، ولو أنها حاولت ابداء درجة أعلى من التفهم لها. ما ينطوي عليه ذلك هو ان احتلال فرنسا لمركز الصدارة في صياغة سياسات وزعامة الاتحاد الأوروبي، قد انتهى زمانه. بدلا من التأثير في الأجواء الأوروبية، باريس تدخل مع هذه الانتخابات طور التأثر بالمناخات الأوروبية السائدة.

الحضور الذي وفره شيراك لفرنسا على المسرحين الأوروبي والدولي، في طريقه إلى التقاعد، القيادة الفرنسية الجديدة، كائنة من كانت، ليست من العيار ولا من المدرسة المحبذة لمثل هذا الحضور، ناهيك بتعزيزه وتطويره، ربما لأن ظروف فرنسا وأوروبا في الوقت الراهن غير مواتية لمثل هذا الدور.

أو ربما لأن الملفات الداخلية باتت تشكل أعباء قاسية تفرض الانصراف إليها بكل الطاقات والجهود من بطالة وهبوط في الانتاجية وتفاقم في الركود الاقتصادي وغيره، وهي مشكلات عاتية، إلا أن تراجع الوزن الفرنسي المرتقب على الساحة الدولية بعد فترة الحضور الطويل والمؤثر لابد وأن يترك آثاره على الموازين والمعادلات العالمية التي تحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى قوى وازنة لتأمين ما أمكن من التوازن.