ليست سورية الدولة التي تبحث عن المصاعب في علاقاتها مع الدول، وليست من يمارس الإرهاب ويقدّس الحروب ويتهرب من السلام ومتطلباته. فالحديث عن المصاعب يجب أن يوجّه إلى من يخلق المصاعب ويعوق أي توجّه نحو الانفراج في العلاقات، ونحو السلام العادل والشامل الذي تنشده الشعوب.
مناسبة هذا الكلام ما صدر عن وزيرة الخارجية الأميركية الآنسة كوندوليزا رايس بعد الاجتماع الذي عقدته مع وزير الخارجية السيد وليد المعلم إذ قالت: «لا نريد علاقة صعبة مع سورية».
كلام الوزيرة رايس جميل جداً، ويبشّر ببعض الخير، ليس لأن الإدارة الأميركية تقول إنها لا تريد علاقة صعبة مع سورية فحسب، بل لأن هذه الإدارة خطت أخيراً تلك الخطوة التي كان عليها أن تخطوها منذ أمد بعيد؛ ونعني بها خطوة نحو الحوار المباشر وليس عبر التصريحات النارية والتهديدات والإملاءات والاتهامات التي كانت تطلقها عن بُعد.
لا نريد تحليل اجتماع المعلم ـ رايس، والبحث عن الأسباب التي كانت وراء انعقاده بعد أربع سنوات من «القطيعة»، لكننا نثق بأن أي لقاء، مهما كان محدوداً في جدول أعماله، ومهما كان مقتصراً على موضوع واحد أو موضوعين، إلا أنه يؤشر إلى اقتناع أو قناعة متأخرة لدى صنّاع القرار الأميركيين، بأن سياسة العزل والحصار والعقوبات ليست مجدية، ولن تؤدي إلى إيجاد الحلول للمشكلات والأزمات، وأن الشعوب لا تدار بـ«الريموت كنترول» وغير مستعدة للتخلي عن سيادتها والتفريط بحقوقها مهما بلغت الضغوط وكانت التضحيات.
وبكل الشفافية والصراحة والوضوح نقول: إن سورية راغبة فعلاً في الحوار مع الولايات المتحدة؛ وهذا لا يعني أننا نستجدي هذا الحوار.. فرغبتنا في الحوار ناجمة عن مواقف معروفة ميّزت السياسة السورية على مدى عقود، تقوم على أساس احترام الدول ومواقفها وسياساتها، وضرورة المعاملة بالمثل من قبل تلك الدول.
وليست سورية وحدها هي التي تريد الحوار مع الإدارة الأميركية، بل هناك شخصيات وقوى سياسية فاعلة ومؤثّرة على الساحة الأميركية دعت وتدعو إلى الحوار مع دمشق.. والأمثلة أكثر من أن تُحصى بدءاً من زيارات العديد من أعضاء الكونغرس الأميركي لسورية، والتي تُوِّجت بزيارة السيدة نانسي بيلوزي، رئيسة مجلس النوّاب، وصولاً إلى تقرير بيكر ـ هاميلتون.
ولأننا ندرك أن الولايات المتحدة هي اليوم الدولة الأعظم والأقوى في العالم، نعرف تماماً أنّ لها دوراً يجب أن تلعبه في قضايا هذا العالم، بشكل عام، وقضايا منطقتنا على وجه الخصوص. الدور الأميركي الذي تريده الشعوب هو دور الحَكَم وليس دور الخَصْم، دور راعي وحامي السلام العالمي، وليس المبشِّـر بالحروب وصانعها ومختلقها.
والإدارة الأميركية مؤهّلة ـ إذا توافرت الإرادة لديها ـ لأن تلعب هذا الدور السامي والهام لصنع السلام العادل والشامل في المنطقة، القائم على قرارات الشرعية الدولية وصيغة مؤتمر مدريد للسلام الذي ما كان لينعقد عام 1991 لولا توافر الإرادة لدى إدارة الرئيس جورج بوش الأب.
وتعرف إدارة الرئيس جورج بوش الابن بالوثائق الموجودة في خزائنها، ومن خلال اقتناع الشخصيات السياسية الأميركية التي زارت دمشق، أن سورية دولة محبّة للسلام، وقدّمت كل ما من شأنه التوصّل إلى اتفاق سلام حقيقي، وأن إسرائيل هي التي نسفت ما تمّ التوصّل إليه والذي يشكّل ما يقارب الثمانين في المئة من ذلك الاتفاق.
الفرصة لم تتبخّر بعد إذا كانت الإدارة الأميركية تريد فعلاً أن تدخل التاريخ كصانعة للسلام وليس كمفجّرة للحروب.. والسلام يُصنع ـ طبعاً ـ بالحوار الجاد والخلاق، وليس عبر سياسات العزل ونشر الفوضى الخلاقة والهدّامة هنا وهناك. والتجربة ماثلة أمام الأميركيين قبل سواهم، وأمام العالم أجمع وشعوبه قاطبة.
فهل بدأنا نشهد نوعاً من التغيّر في السياسة الأميركية تجاه المنطقة؟ دون الإغراق في التفاؤل، ودون تغليب التشاؤم على الأمل، فإن الطريق إلى السلام ليس صعباً.. ولعل البداية المتأخرة للحوار تكون بداية حقيقية لما فيه خير المنطقة وشعوبها ولمصلحة الجميع، وقبل كل شيء، لمصلحة السلام العالمي، وننتظر من الولايات المتحدة أن تكون الحَكَم وليس الخصم، وأن تناصر السلام وليس الحرب.