التقاط الحدث، وتحويله لفرصة تاريخية في انتصار بلد وانتزاع البطولة، مهمة العظماء، وبوش كان قادراً على ان يحول الإرهاب الذي ضرب بلده في 11سبتمبر الى تغييرات هيكلية في النظام العالمي الذي بشر به أبوه، لأن الهزة التي احدثتها الضربات المتتالية لنيويورك وواشنطن، خلقت تحالفاً معنوياً مع اميركا، وحتى عندما اقدمت القوات الاميركية على ضرب افغانستان وتشتيت نظام طالبان وتتبع القاعدة، كان مبرراً مقبولاً.
الا ان ادارة مؤشر الحرب لنظام صدام الذي يعادي تلك الاتجاهات والوقوف ضد الغزو من قبل حلفاء، واصدقاء، ورفع عناد الرئيس الاميركي والمحافظين الجدد الى أنها أميركا هي من تصوغ القرارات وتقدم على فرضها، وبدلاً من تحويل التعاطف العالمي الى حلف يهزم الارهابيين، كان غزو العراق الخطأ الأكبر، سواء بالتكاليف البشرية او المادية، ومعهما بروز دول تعاديها اميركا، الى لاعب اساسي في رسم خرائط العراق تعاكس هوى بوش وفريق عمله.
فالحركات الإسلامية كانت منذ التسعينات من القرن الماضي تحاول اعادة هيكلة بنائها النظامي واستراتيجيتها الطويلة سواء الشأن الإسلامي وما يواجهه من تحديات او العلاقة مع النظم العالمية وخاصة اميركا التي لها تماس مباشر مع قضايا مصيرية مثل فلسطين.
ولم تكن طالبان بالمستوى الذي يجعلها خصماً كونياً، الا ان العراق اضاف لتلك النظم والحركات بعداً جديداً حيث خرج جيل لا يضع نفسه في مشهورة القيادات الكلاسيكية، ولا يخضع بكل أفكاره الى ما يعتبره تسامحاً من القاعدة وغيرها، وجاء العراق ليكون بؤرة التلاقي والصهر، وتطوير حركة تلك التنظيمات وتغيير استراتيجياتها.
وبدلاً من تحويل العراق الى نموذج ديموقراطي وتعايش بين مكوناته الخاصة، صار الهم الأكبر لأميركا، ولم تأت المعالجات منذ بدايات الغزو الى تدقيق في مضامين اتجاهات الصراع الداخلي، واسبابه، ومن ثم تنامي قوة الارهابيين سواء بقتل العراقيين وتدمير مواقعهم الروحية والاقتصادية، او المذابح تحت مظلة من هو المواطن الصالح، والآخر العميل.
وجاء الانتقام بين السنة والشيعة كأخطر ما حدث في تاريخ العراق الحديث من انقسامات، وقد استغلت القاعدة الفرصة لتدعم وجودها بتعاون مع الداخل المعادي لاميركا، ودعم خارجي يعتبر الدولة النازية صورة معادة للاستعمار المباشر، وهنا جاءت الفجوة الهائلة بين ما تريد اميركا تمريره وفرضه، وبين من يعاكسون اهدافها، وبدلاً من ان تنفرد بالحلول والصياغات السياسية وجدت انه لا بد من التعامل مع شركاء بالمسؤولية لا تلتقي معهم على اي خط، بل وتعاديهم، وتلك هي المآزق لقادة أميركا الذين أضاعوا فرصاً تاريخية قد لا تتكرر ولا تستعاد.